وصيّة : قصة : عمر حمّش
أخذته؛ لتضربَ في سجادِ ربيع؛ فظللتهما أسرابُ نوارسَ؛ رآها الصغيرُ تحت قرصِ الشمسِ غيمةً تعدو، وجواره أمّه رفعت جذعها؛ كان في عينيها خبرٌ يرتجُّ؛ يدُها النحيلةُ أخذت أمامها تطوف، ومع تنهيدةِ نارٍ سمعها تقول:- هناك!
لم يفهم؛ لكنها أشعلته:
- تحت تلك الجُمَيزةِ يرقدُ أبوك!
لحظتها مسّه جان، ولقد اهتزّ؛ حتى جاءه من الجوِّ جناحٍ؛ أصعده؛ وتحت جذعِ الشجرةِ أسقطه كملتاع، فطفق يبوسُ الجذعَ، ثمَّ يدققُ في التربةِ كمسحور!
أكملت:
- وحدي دفنتُه يوم قتلته اليهود!
حذار أن تمدّ يدك مصافحا، سيتخمك الموقف وتردّها خائبة، منكّسة إلى جيبك، بكلمات مقتضبة ستحيّيك، ونظرة سريعة سترمقك، ولأنك كريه أو بدون رائحة.. ستحتفظ بمسافة تليق بشممها.. تصعير الخد والتعالي جزء منها، وعلّتها مذ تسنّمت مقعدا أرجوانيا، جدك ربما هندس أركانه! ادبرها أنت الآخر، واستعد رزانتك ثم انكأ جرحا قديما.. " يحسن بي تفهّمها، ردود أفعال ليست إلا! " هكذا علّل صفاقتها. تمش على الرصيف الندي، دعها تنقره لتقرر أمرا.. قبالة المدخل الزجاجي تسمّر، وتأمل الحياة في المحطة بتلويناتها.. شاب يطارح حبيبته الغرام، تنهّد ملء ذكرياتك، وزُمّ شفتيك ثم همهم معلقا.. وقبل أن تلوي عنقك لتصيّد خربشة أخرى، ينتصب الجسد أمامك، بالكاد ينعكس.. الاكتناز ذاته، والشموخ نفسه.. يستحيل الانوجاد بدونك يا قذرا في عينها! حافظ على هدوئك والتفت، دعها تُبحر في عينيك، تتفرّس، تبحث عن ألق يؤيدها بروح الجلد والصبر، فلن تجد غير خواء يصلبها، يدعوها لحمل خطاياها وإدانة شطحاتها وحبها الوهمي في الجسد، اتركها تبادر بالكلام.. فلست في ورطة، لم تقطع عهدا أو خالفت وعدا، وقبل أن تنخرط في أي عتاب أو حوار، شقّ صدرك، واعصر قلبك، واستعذ بالعقل من الحب الرجيم!
هل كان عليها أن تبحث عنه طوال كل هذه السنين؟ وأن تجتهد في الطواف حول كرة الثلج كمجنونة لا تهدأ؟ هل كان عليه أن يحبها ويختفي دون وداع؟ أسئلة تطن في رأسها كبندول ساعة لا يتوقف، ثم ينتهي كل شيء.
لم تـكـن تـادلا سـاحرة فـي عـيـنيه كما كانت ذاك الصباح … لقد اخترقها النهر منذ آلاف السنين لكنها ظلت مجرد محطة يرسو على غربتها وهم الصيادين وشرود القوارب الصغيرة .
ضرب الأخماسَ في الأسداسٍ كعادتِه في كلَّ مساءَ، فصالَ مرعدا، وجال، فذبحَ ألفا أو يزيد ذبحَ الخراف الراجفات، تخيّر فيهم متلذذا مواضعَ سيفِه، فحزَّ الرقاب، وبقرَ البطونَ؛ ثمَّ مال على السَّبايا، فاركا كفيّه، فانتقى الفارعاتِ المستسلمات، ثمَّ ساقهن مهمهما إلى فراشِه كما القطيع، فضاجعَ ألفا، أو يزيد، ولمّا فرغ؛ عاد إلى الغنائمِ؛ يجمعُ ما استطاب، فكنسَ الأراضيَ بنظرةٍ، وأشار بإصبعه، فامتلك كلَّ المزارعِ في الجوار، ثم مال فاحتضن ما شاءَ من ذهب، وكنزَّ الحقائبَ، ثمَّ استفاض؛ فاستزادَ بضربةٍ، نظفَ الكونَ مما تبقى، أو رآه فيهِ قد علق، بعدها أغمض عينيهِ، وقد ارتضى، فاستراح، وعلى وجهه ارتمى مثل غريقٍ، وقد غفا!
رياح الفراق هبت..بثت الرعشة في جسد الليل الهادئ ... تدفع بمراكبي نحو المجهول...و أنا ما عدت قادرة على التجديف... همومي أثقلت كاهلي ، هزائمي شاخت لها آمالي قبل الآوان، مجاديفي اهترأت ... لا بصيص أمل يهديني لبر الأمان... و مراكبي ما عاد لها شراع يضحك لمداعبة النسيم .. و يزمجر أمام العاصفة.....
على سريرِه؛ في غرفة بيتِ المسنين؛ جاءه الصوتُ الأنثويُّ متأوِّها، يقطِّعُه شيءٌ من الأنين، رأسُه سخن؛ ثمّ صار يغلي؛ قام كما لم يقم منذُ زمنٍ، صيحةٌ ناعمةٌ أخرى ممطوطة نادته؛ فاندفعَ إلى السلمِ بسروالِ البيجاما؛ ثمَّ بيديه الناحلتين بدأ يتسلَّقُ حافتَه، فُتح بابٌ جواره؛ وعجوز مثلُه أطلَّ بملابسِه الداخلية، فوقهما كان الصوتُ ينتفضُ، ثم يتراخى ناعما مثلُ الحرير، انتفضت مآقيهما، وقد تبسما، شيءٌ من الدمع أيضا أطلَّ، تفتحتِ الأبوابُ في العالي، والهياكلُ خرجت زاحفة، صاروا مسيرة سيقانٍ راجفة، لكنَّهم على السطحِ توقفوا يفتشون حائرين، لم يكن هناك سوى لاقط الإرسال يتأرجحُ مع الريحِ، ويصفرُ مثل أنثى جريحة!
السماء ملبدة بغيوم داكنة. الطيور القريبة من سطوح العمارات تحلق- بوداعة- في أرجائها، ثم ترحل بعيدا في الأفق، وتغيب في السحب كما أنهاتتلاشى.جلس –كعادته- على كرسي بلاستيكي جامد وبارد، والذي ينوي أن يستبدله بآخروثير متحرك، حين تعيد له أخته مبلغا كبيرا، كان قد أعطاه قرضا لها .اشترت به عقد عمل باسبانيا.
تاهت نظراتها فوق أمتعتها المركونة أمامها و كأنها ذكرياتها التي كومتها في جانب مظلم من أعماقها محاولة سجنها، التفتت لتلقي نظرة أخيرة على شرفتها التي طالما احتضنت ضحكاتهما و همساتهما و كانت أيضا شاهدة على جلساتهما الحميمية غيرما مرة.. فتدحرجت فوق خدها دمعة سارعت إلي تجفيفها بظهر يدها كما لو كانت تعنفها.
أخيرا وصلتْ سيارة "البيكوب" إلى آخر منعرج من المنعرجات المسكوكة مثل أسورة هندية حول الجبل الشامخ..وتنفس إبراهيم الصعداء وهو يلتفت إلى زوجته زينة التي تجلس إلى يمينه كالصنم..بدا له وجهها ممتقعا وقد اختفت عن وجنتيها تلك الحمرة التي كانت تلازمهما ليلا ونهارا..ولكن جمالها البدوي الساحر لم يتأثر بهذه الساعات الأربع المتواصلة في رحلة جهنمية مرهقة..أدرك أن سفرها الأول هذا سيكون صعبا ومريرا بالنسبة إليها هي التي لم تغادر قمة الجبل منذ نعومة أظفارها..واستغرب كيف استطاعت أن تغالب الدوار الذي لا بد أن يصاب به كل من ركب مع دّاعلي سيارته "البيكوب" المهترئة والتي يستغرب الجميع من أين لها هذه القدرة العجيبة على تسلق الجبال والنزول منها يوميا دون أن تصاب بعطب..
يومٌ مصهود، تخلع فيه جلدك وتتنصّل من نفسك. جوٌّ كاتم يدفع الروح إلى الحلقوم، ويجعل الحياة غير متحمّلة بالمرة. حتى الصمت، الذي يهفو إليه المرء يغدو جرسَ تنغيص لا يهدأ طنينه في الأذن.