وبي رغبة في البكاء ـ نص : محاسن الحمصي
شاحبة الوجه ، تدور مترنحة كعصفور جريح بين جدران الغرفة المعتمة إلا من ضوء تسلل خلسة عبر ستارة خضراء شبه مسدلة ، يسمح لي بالقاء نظرة على ساقها المتورمة ، وذراعها المصبوغة بالبقع الداكنة الزرقاء ، خلفتها آثار حقن الفحوصات المخبرية التي أجرتها على مدار يومين بعد تعرضها لتخثر دم في الساق تشير الى جلطة مرت بسلام .
كم من الوقت مضى على ذرف دموعٍ ساخنة أحرقت الوجنة وفتحت أخدودا على خدها الطري..؟
- لمَ لا تستلقين على السرير حسب أوامر الطبيب ، وتدعين الدواء يسري في الشرايين تخلدين بعدها الى الراحة، مع كأس من العصير يعيد الى وجهك بعض نضارة وتتناولين قطعة بسكويت بعد إضرابك عن الطعام ؟
- أخلد الى الراحة ..؟ ومن أين أشتريها لو كانت تباع ، وهذا الأسود ، الصامت ، الأخرس القابع على سريري يزيدني توترا، تشنجا ، وعصبية ، يأخذ ما تبقى لي من هدوء ، يحيلني الى بركان ملتهب يحرقني ، يصهرني ، يجرفني نحو سفح عذاب مهلك ؟
- ماذا دهاك وأنت الصلبة القوية ، المتزنة ، العاقلة ، الناصحة والمرشدة التي تضم صبرا إلى صبر توزعه وصفة طبية ، وأنت من يتحدى الصعاب ، يتجاوز المحن، يصغر المشاكل ، يبدد الهموم ، تواجهين بالعقل والمنطق نوائب الزمان ؟
- لا داعي لهذا الموشح ، أدرك من أنا ، وأدرك قدراتي ، أعلم من أكون وماعلي التصدي له في ممرات حياتي لكن في وضعي...
نظراته تعانق الأضواء المتلألئة من وراء الأفق...فتشرد روحه... تَلُوحُ له أشرعة آماله و هي تنعطف عند الأفق.. يتراءى له طيف حبيبته يلوح له من هناك...فاتحة ذراعيها لاحتضان أحلامه..تعده جنة الخلد.آآآآآآه من حبيبته، تلك الحورية من سلالة عيسى أرقت منامه...تأتيه كل ليلة تمشي بغنج و خيوط الشمس تتدلى ثائرة على ظهرها... يشحب وجه القمر أمام ضياء وجهها..و عيون تغريه بالإبحار في زرقة سمائها.
للرجة أن تأتي كالريح تجثث جذور الأشجان
تركت غيابها يفاجئ نشرة الأخبار الصّباحيّة تُذيعها الأبواب المشرعة على الأبواب أسرارا وجه أسرار، وأفْجرت تخرج من مسكن ضيّق بنهج ضيّق من حيّ مكتظّ .
كنت أمارس حماقاتي الذهنية فأقفز بعشوائية بين الممكن والمستحيل وبين الماضي والحاضر حتى بلغت ذات الطريق الخالية دوما في مثل هذا الوقت المتأخر نسبيا،فأنا أقطن بمدينة صغيرة تنام فيها الحياة في فصول الشتاء مبكرا جدا. أعبر من تلك الطريق كلما مررت من هناك وكنت حقا أستعذب الصمت والظلام الذي تدكه أعمدة ضوء خفيف ، من جهة اليسار سور يحيط بمركب ترفيهي ومن جهة اليمين سور اخر أكثر علوا يلف بناية فخمة مترامية.وليس ذلك باللأمر الهام،فقد كنت أسير كما فعلت مرارا، مطأطأ الرأس صامتا غائب الفكر في شارع شاحب أضواءه خافتة تنكسر في حدود الزوايا الضيقة التي تحيط بأعمدتها، وحين تنعكس على ربوع الشارع تبعث القليل من السكينة في النفوس وقد استعذبت المشهد وكنت كمن يتوق إلى المفاجأة لما أقنعت نفسي أن ما أراه حقيقة وليس هلوسة ، عفوا ، كان علي للأمانة أن أقول "من" رأيته فقد كان ذلك أشبه بشخص وليس محض هلوسة بصرية، وحتى تلك اللحظة لم أكن قد قرأت كثيرا عن قصص الأشباح ولم تغرني قط تلك الأفلام التي يعتقد مخرجوها في ما هو خارق لقدرة العقل البشري على الفهم، من عساه يكون فأنا إلى حدود اللحظة قانوني جد ا، أسير على يمين الشارع لا أسب أحدا ولا أغتاب أحدا ، و حتى السياسة لفظتني لأني لم أستهويها كثيرا.عندما رفعت بصري كان القادم مثلي تماما أو على الأقل ذلك ما...
تسللتْ وئيدة الخطى تسبقها رائحة الحناء بالقرنفل البلدي.قبل التحاقي بالفراش مازحتها متسائلا عن كيفية تخلصها من سنة مسح الرأس لإتمام الوضوء، تركتها تغمس ضفيرتها الفاحمة في بلل أخضر.
دوى المحرك مزمجرا في يأس، محاولا الانعتاق من أسره ليتوه في صمت الجبال.. و السيارة العجوز تلتهم الطريق المتعرج أمامها.. في كد و مثابرة و كأنها باتت تحفظها عن ظهر قلب...
عاد إلى بيته في المساء بعد يوم عمل شاق، فتح الباب لتستقبله وحدته بثوبها الأسود المسترسل الذي يرتد صدى حفيفه في صمت المكان...تطلع حوله في تذمر و قد سئم النظر إلى وجهها المطموس الملامح و نظراتها الفارغة المتلهفة إليه... أقنعة معلقة على الحائط، مكتب في الزاوية المظلمة من المكان عليه حاسوب، أقلام و أوراق متناثرة، فنجان قهوة فارغ و سجائر سلبت منها الحياة مهملة في صحن الفنجان تزيد من وحشة المكان...إنه مسرحه الصغير حيث يؤدي كل ليلة أدواره بنجاح ليغيض وحدته و يثير غيرتها... ترى أي دور سيلعب هذا المساء؟ و بأي قناع؟..
شعر بانتعاشة وحيوية نادرة، كأنه استيقظ بعد سبات عميق أزال عنه تعب نهار طويل. أدرك ذلك عندما تذكر بأنه نهض لتوه صباح اليوم بعد أول استفاقة من ليل خريفي. لم يكن ذلك من عادته، لكن شيئا ما يجعل بهجة تعم شعوره في هذا الصباح، سرعة حركاته وهو يغتسل ، رغبته في الكتابة ، في الكلام و في لهفه و شغفه في طهي القهوة و وضع أنامله على الجبن وزيت الزيتون.
الزمن خريف وعلامات السقوط المفقود تؤشر للقدر المختوم,ليس في السطور ولا حتى بين تلافيف الصدور,بل انسكابا في متاهة ذاكرة النسيان..هي حكاية ترويها جدتي أورسولا,تلك المرأة التي خط الشيب شعرها وانقضمت ظهرها على ايقاع طقطقات عظامها كفالس أخير يشد أوتار لمقاطع نشيد الوداع.تضاءل نهائي يعلن الرحيل كامتداد أجنحة طواها الأفق الكالح لتغيب..