كيف نُسي الكرز؟ - قصة : الطيب طهوري
ما إن بدأت وتلامذتي أكل حبات الكرز التي ضيعها أبو فياض بسلتها حين تيهته الحرائق التي التهمت العاصمة وأتت على الأخضر واليابس فيها، حتى سمعنا دقات خجولة على الباب..أسرعت وفتحته.. سلمتني الورقة المطوية وهي تقول: يقول لك أحضر مجلس التأديب حالا..اترك تلامذتك وتعال..ـ هل أترك سلة حبات الكرز ورائي؟ تساءلت في السر..
ـ لا..أجبتني في السر أيضا..
عدت إلى المكتب..حملت السلة وخرجت..وتركتهم يبحلقون في الباب مستنكرين..
دخلت مكتب المدير..قابلني وجه عمر مباشرة..
ــ سبقتني ياعمر.. قلت..
ابتسم عمر ولم يقل شيئا..
نظر وهو ينزل من الحافلة إلى الناس أمامه..ومشى.. كان التعب باديا على وجهه..وكان الناس أمامه يتحركون ببطء..يتسلقون الطريق الترابية الضيقة التي أخذت تصعد به إلى القرية..الأشجار صفراء والمنازل يملأها الغبار..
شروق ..غير متوقع
إني أراك...
رأيته فى مساء ذلك اليوم هادئاً على غير عادته،ولولا أنه مر بجواري كأنه لا يعرفني لشككت أنه في طريقه للتعافي،لكنني حينما لحظته ـ بعد وقت قليل ـ بمنتصف الش،يخوض معركة مع أشباح،يخرج على الدوام من عراكه معها خاسراً،تأكد لي أن حالته تزداد سوءا.
"ربنا لا تغفر لنا "
ضمائر
...هنا يتوقف "سيزيف" /
"
والتقينا ..
نزل عليه النبأ كالصاعقة..بقي مسمَّرا في مكانه كأنما شلت أطرافه..من أين له تدبير المال الكافي في انتظار تسوية المشكل الإداري الذي يعرف جيدا تعقيداته البيروقراطية وتشعباته المسطرية..نهره الموظف من خلف الشباك :
ما دام شقائي محتوما فلماذا أعيش؟ وقف السؤال في نقطة من الوعي تأبى السير إلى الماضي. فتسمرت رجلاه قرب النافذة وأحكمت يداه القبض على الحافة بقوة وحزم. هل يريد الإنتحار حقا، أم أنه يختبر الحالة فقط؟ إلتفت إلى الداخل فصد بصره ظلام ثقيل يسكن الغرفة ويتمدد عبر الباب ليبتلع ما بقي من أعضاء الشقة. صحيح أن الألم يحز في قلبه الساعة، لكن ليس الألم ما يدفع به إلى هذا الموقف الجنوني. هكذا قرر وهو يكابد شعورا قويا لا يقاوم بأنه يهوي إلى أعماق سحيقة. وتخايلت لعينيه صورعدة من الماضي. رأى وجه أمه الشاحب قبل موتها بساعات، لاح له شبح أبوه وقد احتقن به الدم وشارفت روحه على الصعود، ونزلت على وعيه بقوة صورة أخيه الذي أصيب بالإيدز وقد علته الأورام وانتفخ وجهه كإسفنجة.