ANFASSEما إن بدأت وتلامذتي أكل حبات الكرز التي ضيعها أبو فياض بسلتها حين تيهته الحرائق التي التهمت العاصمة وأتت على الأخضر واليابس فيها، حتى سمعنا دقات خجولة على الباب..أسرعت وفتحته.. سلمتني الورقة المطوية وهي تقول: يقول لك أحضر مجلس التأديب حالا..اترك تلامذتك وتعال..
ـ هل أترك سلة حبات الكرز ورائي؟ تساءلت في السر..
ـ لا..أجبتني في السر أيضا..
عدت إلى المكتب..حملت السلة وخرجت..وتركتهم  يبحلقون في الباب مستنكرين..
دخلت مكتب المدير..قابلني وجه عمر مباشرة..                                                                                
ــ سبقتني ياعمر.. قلت..                                             
 ابتسم عمر ولم يقل شيئا..
نظر وهو ينزل من الحافلة إلى الناس أمامه..ومشى.. كان التعب باديا على وجهه..وكان الناس أمامه يتحركون ببطء..يتسلقون الطريق الترابية الضيقة التي أخذت تصعد به إلى القرية..الأشجار صفراء والمنازل يملأها الغبار..

anfasseشروق ..غير متوقع
خطر لي مرة أن الملم النجوم من السماء....فتسلقت سلم غبطتي وبدأت الملم الالق وأدسه في جيوبي حشرا ً..... وقبل أن امتلئ....أشرقت الشمس من جيبي.....!
.............................................
مملكتي...مكنستي....وأنا...!
حين جاء الليل غطى بإزاره الحاني عرج كراسي الغرفة المتهرئة الحيطان أخفى شقوق ستائري ونامت الأواني المتصدعة الشائخة في مكمنها المظلم فتحولت غرفتي لمملكة من مرمر....تسكن موج البحر الفيروزي....درت ارفل بحرير أثوابي معتمرة تيجان ورودي النضرة...وجاء الفجر...فمدت الشمس أصابعها من ثقوب الستائر....مدغدغة جفوني الغافية.......لتعود الفئران الصديقة تتقافز حولي ملقية تحية الصباح......وأعود أنا......
محض سندريلا بعد الساعة الثانية عشر......

anfasseإني أراك...
كما أنت، هزيلاً تنهشك الأمراض، وضعفك يسري بين يدي.
أراك...
متيبس الأضلاع، تهوي روحك في قيعان سحيقة، ألتمس جبهتك العريضة، حارقة كهجير آب، أتمتم بآيات من الرقية التي حفظتها مذ كنت صغيراً، وجسدك ممد إلى آخر الدنيا. أحاول استمطار الكلمات، الهذيان معك بأي شيء، لكنك غائب عنك، عن كل ما هو حولك، ورعشة النزع تنتابك، فلا تملك سوى الاستسلام. عيناك تحدقان في الفراغ، وسكون الغرفة يزرع الرهبة فينا، فلا نجد غير الصمت كي نلوذ به. وبين الفينة والأخرى تشخر أنفاسك لتقطع شريط الذكريات الطويل. يسألني أحد أقاربك:
- ألست من جاءنا بالخبر؟!
وصمتي هوية لا أحمل غيرها.
يعاود السؤال مرة تلو أخرى دون أن يحظى بإجابة تشفي غليله، أو تطفي ذلك الفضول الكامن بين شفتيه، فيقرر الانسحاب من الغرفة، ونحن، كما كنا منذ عام، ألف عام، وحدنا، ننتظر أن يستفيق أحدنا كي يخبر الآخر أين هو الآن؟ أأنت في الجنة أم نحن في النار؟

anfasseرأيته فى مساء ذلك اليوم هادئاً على غير عادته،ولولا أنه مر بجواري كأنه لا يعرفني لشككت أنه في طريقه للتعافي،لكنني حينما لحظته ـ بعد وقت قليل ـ بمنتصف الش،يخوض معركة مع أشباح،يخرج على الدوام من عراكه معها خاسراً،تأكد لي أن حالته تزداد سوءا.
بمنتصف الشارع الذىيشق قلب بلدتنا ،غير مكترث بأبواق السيارات،وزحام المارة يواصل عراكه فى شراسة مع أشباحه ، فتراه يقبض بيديه على الهواء فى استماتة على عنق أحدها،وفى هستيرية جنونية يصرخ فى وجهه معنفاً،وكالعادة ينجح الشبح فى الفرار،ويسقط "عارف"مغشياً عليه،حتى يجد من بين المارة من يتبرع بإفاقته.
يجر قدميه فى تهالك،يجذب كرسياً خشبياً،وبوجهه المحتقن،وأنفاسه اللاهثة يجلس قبالتي، فى استسلام تام لحصار عيون عيون زبائن مقهى فضولية تحدق إليه فى وقاحة،يرمقني بنظرة واهنة تثير شفقتي،وتدفعني على الفور لمناداة النادل :
،قائلاً: "شاى للدكتور"كما يروق له مناداته،فيفتعل ابتسامة باهتة،ويواصل شروده.
من علبة سجائري التى توشك على الانتهاء،أشعل له سيجارة،يتابع فى استغراق تام سحابات دخانها، يوقظه صوت النادل ملاطفاً:"أحلى شاي بالنعناع لأحلى دكتور "فتصدر عنه ابتسامة ودودة، تخفى قلة حيلة، وشكر لم يقو صوته الهارب على النطق به....

anfasse"ربنا لا تغفر لنا "
د. السعيد بوطاجين  

  استيقظت قبيل الفجر و المدينة ساكنة سكونا يكاد يخفيها عن أنفاس الوجود..فتحت النافذة
و تنفست بعمق و الليل يعزف سمفونيته الاخيرة.
     أمير الفضاء لا زال ينشر أجنحته النورانية على الخلق كما أراده بديع السماوات و الأرض.. دقائق الاثير حابلة بشيء لا يفنى..الهدوء ، السلام ، النجوم ..علائق الود متجذرة عبر الازمان .. الفلسفة الخفية ، الجميلة منشورة ..منشورة للعيان.
 الناس نيام ..ليتهم يظلون نياما !..
وحده الموشوم بالفقر و الحرمان يخرج من بين فلقتي الظلام يدور في أنحاء المدينة، يود لو يغطسها في الماء المبارك لتصبح نقية ، فاضلة..
وحده المصلوب على وحدته و وحشته يدفع تابوته الخفي كل ليلة عبر الطرقات المتربة و الزوايا العاتمة يريد أن يطهرها ، أن يرشها بالمسك ، أن يحتويها من أول الليل الى السحر.

anfasseضمائر
 هو
 كان يعقر راحلته. يتوه في الطرق يجمع أكواما من حجرٍ، ويحفر حفرا؛ يبيت فيها ثم يمضي يتبع الشمس يريد أن يلحقها.
انا
كنت امشي أفكر أمامي. كان ظلِّي يتبعُني؛ يمحي أثري عن الطُرق ويُبعد عنِّي الماضي الذي لا يريد أن يتركني .
نحن
كان يتوه يعقر الرَّاحلة...كنت أتوه أعقر الماضي
هم
كان ظلِّي يدفن الراحلة في الحفر

عمُر
كان يجتاز عمره بكسر الحصى
ذهب العمر وبقي الحصى

anfasse...هنا يتوقف "سيزيف" /
هنا تنفلت الصخرة من بين يديه، لتندحر إلى سفح الجبل /  ما أشقاك يا "سيزيف" /  هل ستعاود الكرٌة مرة أخرى، لتحمل الصخرة من جديد، ثم تتحمل مشقة الصعود إلى قمة الجبل، فتهوي بك مرة ثالثة ورابعة وخامسة...إلى الحضيض؟؟/  
ما أشقاك يا "سيزيف" /  ماذنبك هذا الذي عوقبت عليه هكذا عقاب؟؟/
 كفكف دمعك يا "سيزيف" // هات أحملُ عنك / هات نتقاسم الشقاء والعذاب مثلما تقاسمنا رغيف الخبز والفول المدمًس// قد كنتَ مخلصا لي يا سيزيف..أفلآ أخلص لك ؟/ قد مددت لي يد محبة ووفاء وإعانة..أفلا أمد لك يدي ؟؟/ قد أقرضتني كثيرا كثيرا من وقتك وكلماتك الصادقة وطيبوبة قلبك..أفلا أرد بعضَ بعضِِ ديٌُني؟؟/
يا "سيزيف"/ الصديق صديق الضيق، فاجعلني أكون صديقا//
يا "سيزيف"/ لم أخجل منك حينما كنت في حاجة إليك، أفتخجل مني وأنت على شفير الهلاك ؟/ نعم يا سيزيف.. أنا لست ذا قوة وبأس، ولا يستطيع كاهلي أن يتحمل ثقل هذا الجلمود الفرعوني، كما أن ساقيً النحيلتين لن تقاوم هذا الجبل الشديد الانحدار......

anfasse"إن أجمل البحار
هو ذلك الذى لم نذهب إليه بعد
وأجمل أيامنا
لم نعشها بعد
وأجمل ما أود أن أقوله لك لم أقله بعد
"
(ناظم حكمت)
يسلمني القلق إلى الأرق، فيغدو جسدي نهبا للسعات الفكر المتحفز وقرصات الألم، وأهم بدخول المنطقة المحظورة في ذاكرتي، فتدخل أمي بكوب من عصير، تتبعها أختي بصحن من الفاكهة وأخي بكيس ورقي، يبسطه أمامي وهو يضحك: "أحضرت لك تشكيلة من كل الأصناف،  الشامي، اللبناني، الأمريكي، اليوناني".
وتبدأ عروض الترغيب في قضم لقمة من كل لون.. التفاح يزيل الشحوب ويعيد النضارة إلى البشرة.. منشط للدورة الدموية، يبعد شبح الجلطات، يقوّي الدم، رائحته تنعش القلب، الاستحمام بشامبو بنكهة التفاح يمنح الجسد نشاطا وحيوية.. حبة منه  في الصباح  يعطي.........

anfasseوالتقينا ..
وضعت يدي في يدها الصامتة المرتعشة ومشينا ..
أوراق الخريف كانت تتساقط في ذلك المساء هنا وهناك وكأنها حيرتنا وارتباكنا يتناثران على الأرض .
شعرت بأصابعها تنتفض كجناحي طير مذبوح . هل تود أن تخلص أناملها من يدي المحمومة ؟
لا . لن أترك لها الفرصة وقد جمعت طوال هذين اليومين كل لطف الدنيا لأغرقها فيه حتى ترضى .
ليست أول مرة تغضب مني وأغضب منها ..
لا. ليست أول مرة .
بدأت العبارات تتزاحم على طرف لساني .كل عبارة ترى نفسها الأجمل والأحلى في أذن الحبيبة . وأنا أضرب الأوراق اليابسة بقدمي وأستجدي صوتي . تبا لهذا السد الذي انتصب في حلقي يمنع تدفق هذا النهر الهادر في أعماقي !
وظللنا نسير في الحديقة ..ويسير معنا الخريف .. ويسير هاربا أمامنا المساء ، وعصافيري تنقر الجدار الرخامي في عناد . وفجأة عمني فرح غامر . رأيت فجوة كبيرة في السد اللعين وانهمرت أنهاري . فتحت فمي لأتكلم حين سمعتها تقول :

anfasseنزل عليه النبأ كالصاعقة..بقي مسمَّرا في مكانه كأنما شلت أطرافه..من أين له تدبير المال الكافي في انتظار تسوية المشكل الإداري الذي يعرف جيدا تعقيداته البيروقراطية وتشعباته المسطرية..نهره الموظف من خلف الشباك :
- اتصلْ بصندوق التقاعد لتعرف سبب حجز معاشك..ودَعْ مَنْ يليك في الصف يتقدم..
التفت إلى الذي يليه في الصف فإذا هو في مثل سنه ، وإن كان لا يزال يفيض حيوية ونشاطا..جر خطاه المتثاقلة في اتجاه الباب وهو يلعن في سره هذا الحظ التعس الذي ما فتئ يلازمه..توجه نحو البناية التي تضم مكاتب صندوق التقاعد ، وشرح للموظفة في مكتب الاستقبال مشكلته ، فأحالته على المكتب المختص..قال الموظف بعد أن استنطق شاشة الحاسوب أمامه :
- تنقص ملفك شهادة الحياة..لا يمكن أن يُصرف معاشك دون توفر هذه الشهادة..
رد بلهجة لم يستطع معها إخفاء ما يغلي في صدره من غضب وثورة :
- ولكنني حي أرزق..ها أنذا واقف أمامك..هل هناك شهادة أكثر مصداقية من هذه؟
رفع إليه الموظف عينين كعيني لبؤة متوثبة للانقضاض على فريستها :

anfasseما دام شقائي محتوما فلماذا أعيش؟ وقف السؤال في نقطة من الوعي تأبى السير إلى الماضي. فتسمرت رجلاه قرب النافذة وأحكمت يداه القبض على الحافة بقوة وحزم. هل يريد الإنتحار حقا، أم أنه يختبر الحالة فقط؟  إلتفت إلى الداخل فصد بصره ظلام ثقيل يسكن الغرفة ويتمدد عبر الباب ليبتلع ما بقي من أعضاء الشقة. صحيح أن الألم يحز في قلبه الساعة، لكن ليس الألم ما يدفع به إلى هذا الموقف الجنوني. هكذا قرر وهو يكابد شعورا قويا لا يقاوم بأنه يهوي إلى أعماق سحيقة. وتخايلت لعينيه صورعدة من الماضي. رأى وجه أمه الشاحب قبل موتها بساعات، لاح له شبح أبوه وقد احتقن به الدم وشارفت روحه على الصعود، ونزلت على وعيه بقوة صورة أخيه الذي أصيب بالإيدز وقد علته الأورام وانتفخ وجهه كإسفنجة.
    جر نفسا عميقا وأغمض عينيه محاولا جمع تركيزه المبعثر في نقطة واحدة. ولكن التركيز تأبى عليه، ولما شعر بأن محاولته تبوء بالفشل، عاد ينظر إلى فكرة الإنتحار بشيء من الإهتمام البعيد عن الخوف أو التهيب. وكأنما يتأمل قصة بطلها شخص آخر تماما. فتح عينيه ورمى ببصره إلى أسف العمارة حيث لاح له شبح ضخم لشجرة مورقة تنتصب في الرصيف بجانب العمارة. لقد مر عليه عمر طويل وهو قابع في هذا البيت! لقد قدح هيكل الشجرة زناد ذاكرته من جديد وتخايل لعينيه ذاك اليوم الذي قدم فيه مع أهله إلى هذه العمارة، حيث كانت تلك الشجرة لا تزال شتلة...

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية