احتضار ـ قصة : حميد بن خيبش
رنا ببصره إلى الثريا..بدت مصابيحها جذلى وهي تتراقص فوق رأسه..اللعنة..حتى هذي الشرارات الغبية تتنفس الصعداء لفراقه ! ..لو أن به بقية من جهد لقذفها بعكازه ..لكن..!
لغط الأقارب من حوله لم يخف منذ الصبيحة..علا صياحهم وهم يُحصون أملاكه للمرة العاشرة..هذا العجوز الوغد لم يُطلع أحدا على حجم ثروته..ضربت الحفيدة بكلتا يديها على الطاولة ..إنها مصرة على الاستئثار بمتجر العطور..فلا دراية لها بتدبير شؤون المعامل أو حظائر الماعز !
لمح في عينيها جشعا غريبا لم يعهده من قبل..كانت الاثيرة لديه دون سائر أحفاده ..لم يبخل عليها بمصاريف الجامعة و تذاكر السفر الموسمية ..آثر البقاء إلى جانبها حتى تمر محنة الإدمان بسلام ! ..أجبر الوغد الذي تسلى بعواطفها على تقبيل قدميها وطلب الصفح ..قبل أن يشيع خبر انتحاره ! .. يا للجحود !
إني اراهم هناك ..على تلة هادئة..يعفرون وجه السماء بغبار قطعانهم ..يمدحون الله بموال ..مشدود إلى أوتار القلب ..يصفرون..يغنون ..يركضون خلف الحِملان الوجلة ..يمتليء الوادي ثغاء ..وحين يتعبون ..ينتقون من قعر الوادي حجارة ملساء..يصُفونها ..ويوقدون عليها النار ..حين تتقد الحجارة يطهون عليها خبزهم..ويُعدون شايهم ..ينتشون بما جادت عليهم به ..يد الإله الحانية .. يتمددون ..يتقلبون كأنما التل فر اش اثير..تبرك الشياه حولهم .. يهدأ كل شيء ..
تعبت من أحاديثها الضيقة، وتعبت من مرافقتها المضجرة، كل ساعة تعيد نفس القصة على مسامعي.... تزيد فيها مرة... وتنقص مرة أخرى... تصنع من نفسها بطلة أسطورية ثم تنتهي في موشحات عقيمة جدا: الحب يا أخي نار من لهب، تأكلك إذا رميت بنفسك فيها... وما أن تصالحها تمنحك السلم والذهب.... أوصيك والوصاية لا تقتل ولا تحيي... امنحه كل شيء، ولا تستسلم له ببطء، الحب يجب احترامه ...
انتبهت أشجانُ من نومها مذعورةً, صوتُ ارتطام وجلبة بالخارج, نورُ الغرفةِ قضى نحبه بقيلولة التيار, تحسستْ وقع الأصواتِ, مناشرُ الغسيل تصطك وتذروها الرياح, زخاتُ المطر تطرق النوافذ كمن يعاقب.
استيقظت على مضض، فقد نامت مع ظهور أول خيط نور، التفتت إلى زوجها النائم بسلام، تأملت ملامحه الملائكية و هو يغط في نوم عميق، ربتت على شعره في حب و نهضت ، فمنذ زواجهما الذي مرت عليه السنة، كانت تحب أن تنهض قبله لتختار له ما سيرتديه، تجهز فطوره بحب و اهتمام كبير ثم توقظه، لكنها اليوم تشعر بعياء شديد بسبب توالي ليال من الأرق و التفكير.
وصلته الصور محمّضة وهو يقضي العطلة في العقبة مع زوجته. غمرت الابتسامة وجهه وهو يقلّبها بين يديه. اقترب من زوجته يريها إياها، فأمسكت تعاينها: طفل تسير فوقه دبابة أمريكية في العراق، نار مشتعلة في جثث آدميين لبنانيين، عراقيون وفلسطينيون في مجازر جماعية، ثم صورة أخرى لجثث انهالت عليها حيطان منزل هدّمته قاصفات ودبابات إسرائيلية. محمّد الدرّة وهو يموت رميًا بالرصاص.
انقذفت للخارج. كان هو عينه يمشي في خطوي كظلي. يلاحق إيقاع سيري. يطاردني بلا هوادة!. ثم دهمني سيل أسام : ابن جلجل ، ابن المثنى، ابن شملال، ابن تومرت.....ابن القفطي. سيل لا ينضب، وأنا تياه في ليل شارع خال. كيف أمكن لرجل أن يعدم وجاهة الألقاب منذ فجر التاريخ، ويقضي حياته يدون أعيان الأسماء حسب حروف الهجاء بدءا من الهمزة إلى الياء؛ دون أن تطوقه طبقاتهم، ولا تواريخ وفياتهم ؟!. الحي القريب ضوؤه يلوح باهتا، وسيل آخر يندفع: ابن بسام، ابن زائدة، ابن الهبارية، ابن الفضل، ابن باشاد، ابن التعاويذي...ابن قلاقس...ماذا صرت ؟. لائحة أسماء، أم نسابة جديدا؟!. اختلطت علي الأشياء. توقفت أتحسس أعضائي؛ أتثبت من السلامة، ثم عرجت على اليمين. وسرت أتطلع إلى الدور العصرية المتراصة من حولي. بدا جليا أن المعماري الذي كان أول من خطها على أوراقه؛ مغرم بالدوائر. كل واجهة تدوير إسمنتي مصبوغ، والواجهات تختلف في تشكل أحجام الإسمنت عليها. أقواس هندسة الدوائر تعطي انطباعا باقترابها منك؛ ولو أنها بعيدة، أو عالية. إحدى الشرفات يتدلى منها نبات أخطبوطي يضفي هسيسا، ويعبق برائحة ليست كريهة، وليست طيبة أيضا، أو هي طيبة إذ لا يمكن أن تكون إلا كذلك، وهي تعم الشرفة. فذاكرة الشم لا تحتفظ لها بأثر، ولم يسبق أن ضمختني على أية حال....
كان الطاهر حجرا في جوفه قلب ، كان يكتسب قوته بالتدحرج بين الطبقات المتطاحنة ، وعندما يزداد الضغط حوله يتطاير عنه شرر سرعان ما يتلاشى ويخبو ، وقد تنز من جبينه قطرات؛ يحسبها البعض ماء؛ ويراها البعض عبرات .
... في شُقّة ما في الطّابق الثّالثِ يفتَحُ الشّاشة َ، وحتّى النّافذة َ ،ويُطِلُّ على الكون.في وسط الطّابقِ تندسُّ الشقّةُ. والطّابِقُ في أعلى عِمارة أصلُها ثابتٌ في شارِع كثيفِ البؤْسِ، مدفون في الوحشةِ. والمدينة ُ محفوفة ٌ بالضّبابِ، غارسةٌ في الرّطوبةِ ،يلُفُّها عَفَنٌ كبيرٌ. ويخترِقُها عبرالأحشاءِ والأزقّةِ وخلايا الأمكنةِ صمت محضٌ .. والشّاشة في أيّامِ الرّاحاتِ الأسبوعيّةِ والعُطَلِ تذبحُ الصّمتَ المتطايرَ من الجدران والنّوافذ، ومن أمكنة عدّة.. ومنذ الفجرِ، بعد أن يفْنى صوتُ المؤذّنِ وتنمحي غمغمة المُصلّين الخارجين من العبادةِ ويتلملمُ الكلمُ الطّّيبُ بريدا إلى السّماءِ، وتئِزُّ سيّاراتٌ خافتة ُ الأزِّ على الطّرُقاتِ الموحلةِ ، تنفتِحُ وردة ُ الضّوءِ وتنقشِعُ الظّلماتُ بطيئا، يهرعُ الصّمتُ إلى الشّوارِعِ ويستوْطِنُ المكانَ .ويُلْحِدُ المدينة َ على امتداد سويْعات من الفجرِ المتثائبِ موتٌ فجٌّ،، لا ينْهبُ منْ سلطتِهِ إلاّ وقعُ حوافِرِ الأحمرةِ والبِغالِ تنقُلُ على العرباتِ المجرورةِ صناديقَ الخضرِ والغِلالِ باتّجاه السّوقِ والدكاكين المجاورةِ لكنّه نهبٌ مخلوسٌ خفيفٌ.. والصّمتُ والموتُ متعانقان إلى وقت متأخر نسبيا في النّهار.
يفسح״ ميشيل״ كلبه ״ البيرجي ״ على رصيف الشارع الرئيسي . ودون سابق إنذار يرفع الكلب إحدى رجليه .
هم يسرقون الآن جلدك