سِنُّ اليأس – قصة : بسمة الشوّالي
سار خلف الدّابّة مُكِبّ الوجه على أرض تتأرجح بين المرتفعات ، وشِقْف التّراب المُعنّى يُبْسا يتطاير رذاذا عنيفا يشجّ العرق المنسكب من جبينه. أمامه، وعلى مسافة ذيل غضوب، كان البغل يرفس الأرض الجافّة ويطوي الأثلام طيّا يوجع سنابكه، ومحراث بينهما دفن رأسه الفضّيّ يبحث في الجوف المتّقد عن أمل سقط من صاحبيْه في ذات ثَلْم.
كان سير ثلاثتهم غدوّا ورواحا من أناء قطعة الأرض حتى أطرافها.
ذيل البغل الجَهْم يسوس الخطى ، وسعيد يُلقي قبضة من البذور بين العثرة والأخرى في أفواه التّراب المفغورة .
كان عَجِلا. يستحثّ الأيّام حرثا وبذرا.
لا أحد سواه تلخّص قبضة القمح تاريخ أيّامه الآتية. وهذه الشّقوق المفتوحة تلتهم كلّ ما يُلْقَى إليها في شره وتقول هل من مزيد.
السّماء ، من فوق ، راكدة المحيّا لا يعتري ملامحها وجوم ولا انبساط ، ترجم الورى بجمرات حامية. والشّمس تسوط كلّ سحابة تعوم في ضوئها المستعر، ومن تحتهما لَوَتِ الأرض وجهها ظمأ .
استيقظت متعبا هذا الصباح و متأخرا على غير عادتي ، ارتديت ملابسي بسرعة و قبلت ابنتي ، قلت في نفسي : سأتناول فطوري في مقصف العمل . نزلت الدرج بخطى متثاقلة ، عند باب العمارة وجدت حارسها الحاج أحمد ، يرتدي جلبابا أبيض و نقيا ، هذه أول مرة أراه فيها يلبس الجلباب . قام الحاج أحمد و حياني بحرارة و سألني عن زوجتي و ابنتي و عن سر غيابي هذه المدة و تمنى أن يكون السبب خيرا . لم أبد اندهاشي للحاج أحمد ، فأنا لم أسافر منذ سنوات ، وأحييه كل صباح ، لا أعرف ربما اختلطت عليه الأمور أو اختلطت علي أنا .
الحوار الأول
في ضجّة الأيّامِ والآلامِ والفرحِ أحياناً، وفي فوضى الأحلامِ والأوهامِ وهذا التأرجح الدّائمُ بين الزيّف والحقيقة والمشوّه والمخرّب والمكسّر وما بينهما، سيأخذكَ كلّ هذا إن كنتَ تعرفْ، إلى مفترقِ طرقْ، يميناً.. يساراً.. وإلى الأمام حيثُ أنتَ، وستكون قادراً على أن تزرع أقدامكَ، حواسّكَ..أن تزرعكَ، وتمضي في أيّ طريقٍ ستختاره، ستمضي في أيّ خيارٍ اخترته أنتَ، ووحدكَ أنتَ..ذاكرةً، سلوكاً يعكسك وتعكسه كمرآة.
وإني أنا الصبيُّ أصطحبُ رفاقا،تدفَّقَتْ ألوانُ جَلابيبِهِمْ أسْمالا،تغشى وُجوهَهُمُ الفِطْرة،قال صَغيرُهُمْ_أنا من كنتُ أحجبُ بالقميص لوْحَ الخَتْمِ المُبين تحْتِي ،مُزَوَّقاً لا أُريهِ لِغَيْرِي ولا لأحدٍ _وإن ألحَّ علي _حتى يأتيَنا بالفتح المُبين،أحرُفهُ ببهاء الستر مستور، مُغمض خلف ثيابي أقيهِِ بصدري وأمشي حافيا حتى يُدركنا الحالُ عصْرا،أو نتوسلُ لمن نُصادفُهُ طريقنا فينفَحُنا ببعض ما يَجُوُد به علينا،ذلك هو الفتحُ المبينْ.
شُرع الستار الأحمر البهي.. في ظلام دامس:
ذاك الصباح المشرق وتلك العاطفة التي كانت تدحرج قلبه في مكانه مرات عديدة. كانا المرجع الوحيد الذي كان يجعله يرفع رأسه أمام السماء الغاضبة والناقمة. تتغير أفراحه بأرقام عاجلة... مختلفة الأحاسيس والعواطف الظاهرية والباطنية في جوارحه العميقة. وفي إثرها تتعدد المشاعر وتغدو ذات أهمية..
لمّا تمكّن الشّتاء من الأيّام، كانت خيمة ناصعة السّواد تنتصب على ذروة الصّقيع من الحيّ الجبليّ الكابي، وعُقرَها قبع زوجان لم يمض على زواجهما غير بضعة أيّام وحَبْل الصّمت الممدود بينهما يرتخي ويشتدّ.
تناهى إلى سمعه وقع أقدام تعتلي الدرج بعسكرية واضحة !..ألم يسأموا بعد ؟.. طرقاتهم كادت تخلع الباب .. هب من سريره ليفتح.. لم يمهلوه حتى يستفهم .. ألقوه على الارض منبطحا .. قيدوه ثم شرع كبيرهم يردد نفس الاسئلة الرتيبة .. قرر ألا يجاريهم هذه المرة وينفي ما يلصقونه به من تهم .. بل يلوذ بجدار الصمت و يترقب الفرج !
كنت أسير على الرصيف الأيسر في شارع كبير، طبقا لنصائح المختصين في السلامة الطرقية ، حتى أكون مواجها للسيارات القادمة من الاتجاه المعاكس ، وأستطيع بذلك رؤية كل خطر أو مناورة غير محمودة العواقب ، سيما وأن السائقين في هذه الأيام ، بفعل الضغط وتأثير المشاكل اليومية أصبحت سياراتهم تتحكم فيهم أكثر مما يتحكمون هم فيها.. لذلك ، وأنا الحريص على حياتي ، أو ما تبقى منها على الأصح ، لم أكن قط لأجازف بها في طرقاتنا المميتة.. لذلك اطمأن قلبي وارتاحت نفسي وأنا أسير واثق الخطو سعيدا بأنني هنا في مأمن من كل خطر داهم..
نظرت أمل إلى وجه أمها البشوش مطولا، تلك التقاسيم الجميلة المنحوتة في كل خلية من خلاياها، كتمت زفرة كادت تزعج سكون هذا المساء، و حولت أنظارها إلى السماء حتى لا تلتقط نظرات أمها الثاقبة، التي تسبر دوما أغوارها، قلقها و آلامها.