مهر الحفيد - قصة :سيف الدين العلوي
أقيم الحفل.قلت لا بد أن يكون حفلا خليقا بالحدث ,, قال والدي ؛ سيكون عرسا عظيما. سأذبح للوافدين عجلا وخروفا. وسيكون حفلا بهيجا . ثلاثة نهارات بلياليها.. ستدق الطبول وتصهل المزامير في المنزل والساحة والحيّ والبلدة بأسرها . أعدكم بذلك سيكون حفل ختان بهيج .
وتقدم والدي من أحدهم يحثّه على الاسراع و تعليق موثّثات مشهد الزينة في فضاء فناء الباحة الواسعة التي بلّطت منذ أشهر استعدادا للحدث,وعلى اتقان عملية التزيين.
ـ ارفع جيّدا هذا الحبل,وآشدد سلك الكهرباء الى تلك الشجرة .اسحب الى ذلك الغصن بما يسمح بتدلّي الفوانيس /.على كامل محيط المنزل وجوانبه . هيّا. أريد أن يغمرالضوء أرجاء المكان ,أريد أن يرقص الضوء مع رقص النساء والرجال والأطفال في الساحة . أريد أن يتحوّل اللّيل الى بهرة ليكون الحفل مشتعلا بالفرح والبهجة.
انتبهت إلى تواتر كلمة بهيج وبهجة . وجعلت أحرفها تنزل في النفس وتقطر بالدلالة عميقا في الحنايا .
وشعرت أنّ والدي يعني مايقول , ويقول اللفظة في صدق والعبارة بأمان, لا يراوغ ,لا يزوّر ,لايمين. قالت شقيقتي وفي عينيها ضوء من غبطة :
هذه فرصة فرح حقيقيّ. سنرقص إلى ما بعد الفجر . سأرقص حتّى يتطاير النقع .سنزغرد حتّى تتصدّع الحناجر.
...
لم يكن ذاك الصباح شبيهاً بغيره كان صباحاً فوق العادة، فتحت عيني على عالم جديد فكل ما يحيط بي مختلف، رغم أني ظللت مستيقظة حتى وقت متأخر أحاول بكل الطرق أن أعطيَّ لغرفتي الجديدة طابعاً له نكهة الوطن.
تسلق دمع (ميليسيا) حيطان المخاض، حيث يولد المطر حطبا... دروبا... وريقات زهرة تشرين في فيض مدينة المواعيد المتأخر. يتجثم على قلبها أحتماء ليال الشتاء الموحشة، وهي تتأمل حمم الماضي بعيون ينساب اليها خرير المطر وخدر الدفء بالقبل كالمجد. فتفنى أصابعها بتلويحة شاردة، بصمت خلف الجمر العابر لزرقة البحر، وبلا أكمام تجتاح أوردتها وهج صهيل الشواطيء .. وحبات الرمل تزرر ثوبها الليلي المتكاسل فوق نهديها... فيلسعها هبوب نشارة الحنين المشتعل... فيثب بها العشق بألذّ ماينكره النهار.
نفس المشهد الكالح يطالعني، كل صباح وكل مساء، بل وفي أيّ وقت. أبصق بلا لعاب. نفس الوجوه الكئيبة، تصطدم بها عيناي حين أغادر البيت - مرغمًا- لابتياع أيّ شيء.
" عجل بالإياب ..آمنة تحتضر ! "
()...كانت لأحمد لحظات صحو مفزعة. فما كان يمكن لأحمد أن يستمر في تجاهل نفسه واحتقار طموحه على الظهور في الجرائد فقد حدثته نفسه الأمارة بالذهاب إلى الجرائد وعرض نفسه على المحاورين ونشر صورته ولو بلون واحد، يقول لهم «أنا أحمد المشهور بالتخلي عن هموم الناس المنغمس في التفاصيل، أفكر في الجرائد مثلكم.ومثلكم أرى نفسي قريبا من هموم الآخرين البعيدة عن همومي فانشروني في مقال واضح أو أخبروا عني يخلدني التاريخ مثل كلامكم في المزابل، وسحب الاعتبار الأخير وقال «يخلدني في المنازل أو ليس لكم مثلي في القلوب منازل».
تتسارع الخطوات إلى مكان غصت به الأجساد ، إحساس غريب بفاجعة تلف الكيان، شقت الجمع بعنف فتراءى لها جسد متدل من غصن شجرة طالما استظلت بظلالها ورسمت على جدعها من بهي الشجن ما كان يحفظه الجسد المتدلي عن ظهر قلب..في برهة تكاتفت فيها صور زمنية مشتركة كتبت بأنينهما وضحكاتهما وأسرارهما ومغامراتهما...دوي صراخها يلفت انتباه الأجساد المتحذلقة على الجسد المتدلي وتهيم في غيبوبة ترفض الخروج منها تسعى اكتشاف سر انفصال الذات عن ذاتها وتمردها عليها و تحايلها إلى أن تخلصت منها ،،من فكر في الخلاص وفك ارتباط الذات بالذات ،أي ذات منهما كانت سيدة القرار وأي ذات كانت موضوعه ، ما كان للقرار أن يكون لولا تواطؤ الذات مع الذات بعد حوارهما واقتناعهما بفكرة الخلاص وتغلب النفس على الروح
دخلتْ البيتَ مسرعة فرحة ، توجّهت على الفور إلى المطبخ ، ضمت أمها بقوة وهتفت :
إلى العراق
لم يعد يَحتمل كل تلك الآلام التي تعتصر معدته وتُقطّع أحشاءه. تكوّم على نفسه أكثر من ذي قبل وراح يترنح في مشيته. صمم أن يقتحم الضيعة الزراعية ويطرق باب الفيلا، فليقع ما يقع..
عند المغيب تصاعد الضباب فوق قمر الطرقات، و"زهرة عباد الشمس" تجالس "ربيع" عند الاحراش، يعتصرهما برد الشتاء تحت شجرة الحور، يخبآن تيه الحكاية... وتيه الغناء، تبرق عيناهما بردا كقناطر حين تختمر بها المسافات... أسدل الليل جفونه وهو يمطر السهر باللفتات الخجولة... وخطواتهم نحو المدى... بلا منازل.