حصة – قصة : مجدي السماك
في ذلك اليوم البارد.. وصل الأستاذ مصطفى إلى غرفة الفصل وكان متأخرا سبع دقائق.. وكانت في عينيه حمّرة غريبة أخفت بياضهما وأطفأت ما فيهما من بريق كان بالأمس يلمع. وما إن دخل في هدوء الزاهدين ووقار الناسكين، حتى وقف أمام التلاميذ بكل ما في هيئته الضخمة من مهابة.. وعلى الفور انطفأت الضوضاء التي أشعلوها وأججوها بضحكاتهم الساخنة البريئة التي كانت تجلجل وهي تعلو لتنقلب بقدرة قادر إلى ما يشبه الفرقعات. ومع هذا نسي أن يقول لهم صباح الخير وانتصب أمامهم وهو عابس كالقضاء المستعجل فبدا جلد وجهه كأنه مدبوغ. ثم بيده اليمنى امسك قطعة تباشير بحجم منقار دجاجة، واتجه بها إلى الزاوية العليا من السبورة وبخط عريض كتب.. حكمة اليوم: من طلب العلا سهر الليالي.. ثم كتب تحتها بخط عريض أيضا: اطلبوا العلم ولو في الصين. بينما كانت كفه اليسرى منهمكة بالذهاب والإياب على فتحة فمه وهو يتثاءب محدثة قرقرة أحبها التلاميذ كثيرا فارتاحت قلوبهم لها وانتشت.. فابتسموا في خجل مكتوم. وتركوا العنان لأنوفهم لتتمتع برائحة عطره التي فاحت.. رائحة لذيذة عبقت الفصل وكانت أقرب إلى رائحة السيريلاك.
"فاتح " هكذا كان يسمى ،وكان يقول أنا فاتح!! الذي فتح الله عليه !
كلّ ألوانِ الدّنيا اقتربتْ من بعضها وتمازجَتْ لتصيرَهُ، هذا اللون المفضّل عندكَ، ولا تدري لماذا هو مفضّلٌ، ترى غيره ولا تحسّ سواه، يعيشك وتعيش وجعه، فرحه..وكآبته، تعيش حالته، حالتكَ.. إنّه لونكَ أنتَ..
ظل كيوبيد يطاردها بسهامه في المنام دون أن ينال مراده.
كل شيء في مدينتي كان يصرخ بأنك الحلم الجميل الذي يعمّر بالنوم فقط، وسحابة الصيف التي لاتخلد في السماء. كل الجدران المسخومة بالضباب ودخان السيارات، الحبلى بألوان الطائشين تقول -متأخرة-بأنك مجرد فكرة.....لا يمكن أن أشيخ برفقتها. تتصادم الذكريات بشرايين الرئة، فأعجز عن التنفس ويصير التنهّد صعبا.
..... ليس غريبا أن ينزعج مني فقد كنت بالنسبة له عنصر قلق يختزن طاقة جبارة من الإزعاج حتى أنه كان يحاول دائما تجنب لقائي أو مقاسمتي فضاءات تواجدي.
كنت أراه في مقهى الكندي بالمدينة القديمة. وحده يجلس، يدخن دون احتباس. يتصفح جريدة تلو أخرى، ولما يشدّه موضوع يغرق فيه. أحيانا يكـلّم نفسه، لكن أغلب الوقت يتأمل المارة في سهوم.
إلى طابور المنتظرين خلف أبواب ألامتيازات ,........, محطات ألأزمنة ... ؟
ردد في نفسه: إنه ويكيليكس.. يا للفضيحة.. ربنا يستر.. لقد فضحت بلدنا ونشرت أوساخا كثيرة، بالفعل قلة قيمة.. وصارت سمعتها في الطين. ثم راح يبحث في كل نشرات الأخبار، والمواقع الالكترونية عن فضيحة تخص شخصه الكريم.. لكنه لم يجد.. فتنفس الصعداء.. وحمد الله كثيرا.
رسائل من قلبي إليك....
بعد أن لهثت أفواه، وتقطّعت أنفاسها، حتى كادت أن تخبوا في صدور استفحل فيها الأسى واستبد.. اجتازت الجنازة الطريق الطويل الضيق على ما فيه من حفر ومطبات.. ثمّ وصلت إلى طرف المقبرة الواسعة المكتظة بقبور محشوة بأموات دفن معظمهم بلا توابيت. ومع أن الدنيا في بداية أيام الصيف.. سوى أنه كأنما استقرت فوق رأس كل واحد من المشيعين، على ارتفاع شبر أو شبرين، قطعة جمر في غاية الضخامة كأنما سقطت لتوها عليهم من جهنم.