صدمة – قصة : رقية سامي
في غرفة صغيرة تفرد جسدها على السرير لتنام.
تحاول تركيز تفكيرها على كلمات الأغنية التي تسمعها، فجأة تنفلت دمعة مالحة من مقلتيها، تمسحها بسرعة وتتبعها بابتسامة صغيرة، تحاول إقناع نفسها أن ما حصل كان لصالحها.
تطفئ المذياع في سرعة، ثم تأخذ الرسالة التي تسلمتها هذا الصباح من طرف سعيد البواب، تعرف أنها قرأت الرسالة أكثر من مرة، لكن رغم ذلك تعيد قراءتها على مهل وكأنها المرة الأولى.
تنطق بهذه الكلمات بصوت مرتفع، ناسية أنها ليست بمفردها في البيت(سامحيني واعذريني لكوني باحث عن طيف جديد، اعذريني فقد سئمت انتظارك، ما عدت قادرا على إلقاء درسي المعهود، ولا حتى أن أربي، ما عدت أقبل أن أكون مدرسا لتلميذة كسولة).
جسم من تدويرات لاحد لها، يمتطي هرما مقلوبا، عيناه خطوط مرتعشة، يتنفس عاليا بأنف كبير أفطس... أحجام خشبية حوله في تداخل . تحيط بها هامات، يعلوها لون ترابي متدرج القتامة من أسفل لأعلى. لن أتركه راقدا داعنا للون، سيخرج إلي متجها من اليسار إلى اليمين. وهذه النقطة الذهبية هي محل كتفه المائل ، لونها ناطق... مشى قليلا إلى الخلف، وتفحصه من جديد، ثم اندفع يغزوه بالحرارة والضوء والإحساس. أية ملامح ستكسو وجها بارز العظام، فاقدا لطعم الحياة، لكن لا يزايله الانبهار في مدينة تلفها مساحات ترابية، وتتوغل في قلبها فوضى من إسمنت.
لم يعد يتذكر من أيامه الخوالي سوى أنه ترك منسيا ذات ليلة ليلاء بجانب "الكانون" ملقى فوق فرو معز مدثر بقماش أمه القديم، ترهل فأحالته غطاءها المفضل لكبدها، ليلة داهمت المنزل سرية من جنود فرنسيين مدججين بالسلاح يبحثون عن أبيه الذي كان عنصرا نشيطا في صفوف المقاومين لاحتلال الأجنبي، بمجرد ما أحست أمه الأرض تميد من حولها، هرعت تحشد أبناءها الأربعة وتدثرهم بما وقعت يدها عليه من ثياب بالية وهي تصيح فاطمة، أحمد، عائشة، محمد هلموا اخرجوا من البيت إنه مداهم من النصارى الذين دلهم الواشون على منزل أبيكم، هيا أسرعوا.
حين أعلم ابراهيم عمران تونا أندرسن أن آخر أجل لرفع الحاوية بما فيها سيكون ظهيرة الغد، طلبت منه الأخيرة ( وكانت ساعتها في حالة سكر شديد) إحضار ورقة وقلم.. بعد ذلك أمرته بتدوين ما يلي:
تتجلى صورة الحقيقة واضحة حتى في وسط الأحلام....
كان هنا بالأمس القريب يداعبني، يلاعبني، يشاغب كي لا يفرض الصمت سلطته على فناء الدار، وفي زوايا الغرف الثلاثة.
أتنفّس الحُزن شهداً والصمت باتَ لذة شفاه، قد لا نحيا لنلتقي وقد لا يأتينا يوم غد كما نهواه!.. فاصنع من حُروفك سُفن خلاص تَحمل لي عطراً نقياً كَي أضــم الكون كُلّه في عَينيّ، فسر الخلاص تُـــــــــجسّده وسادة فيها سرّ تجسدي وسرّ رضاي. حَـــــــبيبي.... قَتلتني تنهيدات صدرك ورخيم صوتك نادى في لَيل شَغوف يا نَهد الحياة.. يا نجمة رسَمها القدر على الجباه.. على سماواتي.. على وجه عَجوز ارتحل عـــمره وذوى صباه.. فَــــهل يحق الصمت والروح تَـــلهث لرؤياه؟.. أم ان كَـــــلمتي تتأهب لتعانق شغف عَـــينيه؟!.. غمرات رباك جَـــنات تمرح فيها العيون وتفرح لها قلوب الحسان وفردوسٌ تحيا فــيها زهور الياسمين لتطوقني بعطرها.. بشذاها مرفرفة كفراشات وبين يَـــــديها أبجدية رسل خلاص هبطت على الأوراق وحياً في كلمات، فلا لغة سوى صمت حُب يعتريه الذهول والصدق يتوق لبوح يمجده بريق مقلتيك... يا حَــــبيبي.... أقدارنا دغدغت أعمارنا، فأمست نعيماً لقلب لا يرضى سواك حَــــــبيباً استفاق!.. احتضن ليلاً!... دندن نجواه!... أغواني!... رفرف بنوارس تناديني!.. عَـــرفته عيون ونطقت باسمه شفاه... .
مستوحاة من أحداث واقعية
دلفت الغرفة متسللا على رؤوس أصابعي، كانت قطتي نائمة ، لم أشأ إفساد نومها الهادئ، أو حلمها الجميل ، تناولت من على رفّ المكتبة كتابا دون أن أعبأ بعنوانه ، استلقيت على الوثاب ،قلبت الصفحات دون غاية مقصودة، ثمّ شردت في القطة و قد استلذت النوم على الأريكة جاعلة رأسها في حضنها و بين ذراعيها، كانت تحرك إحدى أذنيها بين الفينة و الأخرى لتطرد الذباب . ترى ما الذي يمكن أن تحلم به هذه القطة البريئة ؟ . وددت لو استطعت الولوج إلـى حلمها لأشاركها فيه ، ربما قد تحلم بي و قد صرت ميسور الحال ، أعيش إنسانا كامل الإنسانية يتحسن عيشي،ويتحسن عيشها هي أيضا،وتراني أقتني لها غلب المصبّرات الخاصة بالقطط من السوق الممتازة، و تنعم معي بحمام دافئ كلّ صباح و مساء ، و تنعم بلمسات فاتـــنة هيفاء تدلكها حتى النوم .
حين انتهيت من إعراب الجملة .. جملة النحس ، و قبل أن أضع النقطة الختامية ، تطبيقا لنصيحة معلمنا الملازمة له في كل حصة دراسية ، نزلت على الجانب الأيسر لوجهي صفعة قوية ، شتت توازن جسدي النحيل ، لتتلعثم قدماي الصغيرتان ، فأسقط كسكير ثمل على أرضية الفصل ، و وجوه التلاميذ واجمة لا تفهم ، دون أن أعلم بدوري لماذا و كيف وجدت تلك الصفعة اللعينة القاسية و المؤلمة جدا طريقها إلى وجهي .. ، أما الشيء الوحيد الذي ظل بريقه عالقا بين ثنايا ذهني ، هو تطاير الطبشورة البيضاء ، التي كانت تئن بين أناملي المبللة بالعرق الساخن ، في فضاء القسم ، لتصيب جبين تلميذ آخر ، كان يتابع فصول درس القواعد في مقعده في الصف الثاني .
أيَّـها الراحل نَحو قلبي المُهاجر إليك... إنحنِ للزمان وضمّ قلبي الذي تاه في مَتاهات الحَياة، بعد أن فاضَ به الحُزن وتراكَمت فيه الأُمنيات، كأنّها في كُتب مُغلقة وأفكار مُبعثرة على أوراق لا تزال رمادية اللون، كأنَ الغيث قد انقطع عَنها، فمتى يَــكون الرحيل وكيف؟؟...