غاوية... – نص : ضحى عبدالرؤوف المل
أين البقية يا تُرى؟.. لا أرى سواك هنا!.. وحيدة أنت ستكونين بين أناملي.. لامَسَها بأصابعه التي امتدت اليها وهي صامتة تنتظر شعلة من نار كي تنطلق في الأجواء برقصة كونية لا خلل فيها إلاّ أنها صُنعت لتكون مومساً بين الشفاه..
يبدو كل شيء سهلاً، كي يبدأ ثورة جنونه التي لا تنتهي إلاّ حين ينتهي من إغوائها كي يربح الرهان ويستريح من توتر أعصابه، بفقدان رجولة لا يعي أنها رهان نفس أمّارة بالسوء، ولكنه يرافقها برغبة قوية واشتهاء، لكنه اشتهاء عابر مُتنقّل من طبيعة الانسان التي امتلكها بسلوكيات مشوّهة جعلته يطوف عكس خليقته..
على خوف وضعها أمامه تأمّلها!.. تساءل!.. لماذا تغار منها زوجتي؟.. لا أفهم غيرتها هذه، فقد أصبحت بعمر لا يقبل النصائح والجنون، ربما جنون النساء يتخطى حدود العقل..
الغرفة عتمة، والعتمة خوف.
تبدو شيئا فشيئا ... تلوح يداها الرقيقتان لرفاق تاهوا في دروب تتشعب ... توغلوا في ضباب كثيف وغابوا ... تنادي ... تتحسس الرذاذ ... تلتمس مخرجا ... لكن لا أزيز ولو لباب، فكلها موصدة ... تستجمع شتات الضوء، تركز النظر في اتجاه الأفق ... تحاول أن تتبين ما انكتب بحروف نور تتلاحق على صفحة ضبابة ... تعالي نرتوي من ينبوع عذب، ونرقص على أنين الليالي... ابتسامتك وحدها وجه مشرق للعالم ... تعالي نتجرع الحياة حبا؛ إذ تعتصر فاكهة قلبينا في مطعم الجراح … هذه أعاصير عنيدة … افتحي بوابة معبدك… عساني أصير فيه ( … ) لأنثى أنهكتها تفاصيل المدرجات، ثم الدروب وسط مدينة محتشمة بألف عار. بجانبي أناملها الذهبية كانت تضغط على قطعة سكر، واللون البني مازال يتراقص بعد على الأبيض المكسر. كفت عن التحريك، وأوقدت النار بالقرب من الشفتين المعسلتين … تمص وتنفث الدخان صوب الواجهة الزجاجية؛ التي تكشف بؤس الشارع اليتيم … فراغ إلا من سيارات بيضاء تمر تعوي… يرقبها النادل من حين لآخر، وهو يمشي بين الطاولات يحسب، يوزع، يجامل زبونا، لا فرق. تنظر إليه … نعله المطاطي يطل منه إبهام مشقق بظفر نصفه بلون الحناء.
السكونُ يهجمُ على العجوزِكهجومِ ليلٍ لا قمرله, أوجاء قبل موعده, راحت أناملُ (تيتة الحاجة) تعبثُ فى خصلاتِ شعرٍ لطفلٍ يغطُّ فى سباتٍ, انتبهتْ.. نظرتْ إلى أناملها...إن فيها قسوة َحياةٍ, حفر العمرُأخاديدَ كالتى على وجهها, مرهونة هى فى جسدها, تحمل سنواتِ احتلالٍ على ظهرها, يلفُّ وسطها قيدٌ قماشٍ لن ينفكَّ الا إذا وقفتْ أنفاسها, فهو بمثابة إرادة من خارج نفسها, تستمد منه القوةَ وتَحملَ آلام الحياة حين ضعفها.
مع دخول ليلةٍ من ليالى الشتاءسالتْ الأجواءُ برداً وقرّاً, أرادتْ السماءُ أن تعاقبَ قريتنا المسكينة وأهلها الذين يسكنون بيوتاً من الطين, فصبتْ جام غضبها مطراً واصل ليله نهاره, فكست ثوباً منقوشاً بالوحل, وكان هم الجميع موضعاً لجسده ولو واقفاً يقضى فيه سواد ليله.
إستأنستْ الروح بك فَرسمت حروفها على قناديل مِن ضوء، كَي يكون الرحيل إلى
تتساقط الثلوج فوق القمم
إلى روح شهداء انتفاضة يناير 1984 بالقصر الكبير
ويغورُ المخيمُ في الليلِ البهيم؛ والحالمُ يستدعي جناحَ طير الوعدِ، فيقبضُ على رسنِ اللجام، ثمَّ يصعدُ الريح؛ ليستحمَّ ظمآن في حُزم الشمسِ الكاوية تحت نجيماتٍ ضاحكاتٍ، وكويكباتٍ تشير!
خرج مسرعا من المنزل ، كان مُقدم(1) الحي يرقب في مدخل الزقاق كل هابّة و دابة، حيّاه بابتسامته الصفراء المعهودة ، كان سعيد يرتاب من تلك الابتسامة ، و يعتبر رؤية المقدم نذير شؤم سيلقاه في يومه . كان يسرع الخطى ، إنه يرغب في حضور محاضرة الفلسفة منذ البداية ، لأنه يعشق الفلسفة ، بل يراوده من حين إلى آخر حلم أن يصير فيلسوفا بلحية كثة و شارب طويل .. أليست هي ملامح الفلاسفة و المجاذيب !؟. واصل سيره دون التفات،أمعاؤه تقرقر .. ليس فيها سوى جرعات من شاي أسود، في الجهة المقابلة ، شاب يعاكس فتاة متبرجة ،كأن كل مساحيق العالم قد صبت على وجهها ... ألم تفعل ذلك للإثارة ؟ يعاكسها و تتمنع ، فارتسم في رأسه سؤال الرغبة و الامتناع دون أن يجهد نفسه في الإجابة عنه.استفاق من غَـشية السؤال ، فوجد نفسه أمام الجامعة .. الباب مغلق و الباحة فارغة إلا من كلاب الحارس الليلي . آه .. ،لم يفطن إلاّ حينها ..
جلس أمامي دون استئذان، كان حافي القدمين، أشعث اللّحية ...إنه أحد ضحايا التعذيب في بلدتنا الصغيرة... كان أستاذا جامعيا ... دخل السجن كأعقل ما يكون، ولكن خرج منه سليب العقل و الوظيفة... كان يلزم الصمت لأسابيع عديدة...أحيانا تراه يمشي عاريا وهو يردّد كلاما غير مفهوم... وأحيانا اخرى يتكلم كأحسن العقلاء... أخرج من جيبه عقب سيجارة... دون أن يكلف نفسه النظر الى ناحيتي، قال بجدّية من يلقي محاضرة: