قهوة... و كاوكاو ... – قصة : السعيد موفقي
قطع مسافة مقدار شارع وسط المدينة ثم انحرف إلى زقاق... ، و لم يكن يدرك المسافة التي بقيت للوصول إلى المقهى المجاورة...دخان سيجارته يلف عنقه ، يستعذب مداعبته لقفاه ....و ضجيج المارة يتسلل إلى كلّ زوايا المكان المهجور ...تتكوم في نفسه افتراضات غريبة ...يتوهم كل العالم ينظر إليه و من حوله سيارات عاطلة من كلّ الماركات ، يحاول حجز المقعد الأمامي لأقربها ، لم ينظر إلى المسافة التي تفصل بينه و بين المقعد ، وقعت رجله في الوحل ، يحدّث نفسه سرا : متى أصل ؟ ... و حبّات (الكاوكاو) ، تتناثر في فوضى ، يهرس ما وقع منها بين أضراسه على عجل ، تحدث طقطقة ، يتلذذ بها ، تقع حبّات ، يفركها بقدمه الذي يملأ حذاءه الخشن لسوء حظها ، يداه ترتعشان للهفة غير مفهومة ... و رغبة قديمة ، يلتفت ذات اليمين و ذات الشمال كالخائف من شيء يتربص به .

موقعك وسط حلقة الجبال الهرمة أعطى للمشهد بلاغة الإبداع ، إيقاع يهتز له بؤبؤ العين إنبهارا ،
سقط الرجل في النهر .اُدخل جسدُه في طيات موجة . احتضنته وراحت تتدحرج به ، مثل كرة بيد طفل يلعب بها . عابرة به الى الضفة الاخرى , وهناك تم القاء القبض عليه . اقتادوه إلى التحقيق , وكان تناهى إلى سمعه منذ زمن بعيد , مقدار العنف الذي يصاحب التحقيق الذي تمارسه السلطات في تلك الضفة . 
التقى زهير صبري امرأة تشبه زهرة حمراء على غصن أخضر، فخبّرته بصوت مرتعش أنها تحبّه ولن تستطيع أن تحبّ غيره. فقال لها إنه لا يهتم إلاّ بمستقبله، فبوغت بصفعة مؤلمة تنهال على رقبته، فتلفت حوله، ولم ير الصافع.
احترقت الغمامة والموسيقى، والورد ودمى الأطفال، فلم أجد مكانًا أختبئ فيه سوى نهر كثير المياه، وهناك عشت طوال سنوات وحيدًا مستسلمًا لطمأنينة غامضة، حتى جاء في أحد الأيام صياد هرم، فانتشلني بسنارته من قاع النهر، وحدق إلي باستغراب وأسف، وقال: (ظننت أنك سمكة).
تيّمني هواه وشجاني من وجْد ما شجاني، فمن ذا يُبشرني بلقائه كي أحيا وأرقى بالروح ليعلو مَقامي؟!.. دندنت شفاه القلب حُبّك فهيّجت حروف القصيد والمعاني،فعشْ بالحُبّ مُزهراً مزداناً وقلْ ضُحاي كي تبعث في الروح الوحي والإلهام، قد ثار الوجد توّاقاً إليك، فتفتحت الخدود لقبلة تروي عُروشاً والثغر تبسّم صامتاً بأشجى نغمة ذواقة الهوى مُضنية التنهّدات...
جئت للدنيا أعمى، هكذا شاء القدر. أحببت منذ ولعي الأول بالمدرسة "ابرايل " ثم أبا العلاء فيما بعد، فهما صنواي. عين القلب عندهما ترى مالا يراه ذو الاثنتين الجاحظتين. أراد القضاء أن أكون كفيفا، لا معرفة لي مطلقا بالنور وألوانه. الأشكال والمسافات هانت أمام مراس الحواس المستميت. أول أبجدية مرنتني هي ذبذبة الأصوات، وهي تنطلق من عقال الحلوق. لكل صوت بصمة خاصة على مسمعي. نمت تجربتي بأصوات العالم ودقائق طبائعها، ومع مرور الوقت غدوت خزانا لتفاصيلها. حواسي الأخرى كلها تشكلت بعد الأصوات. اليد كالعين حركتها لا تهدأ؛ ترى أشياء العالم الخشنة والناعمة. لما أقول ترى؛ أعني أن الاكتشاف يكون أدق من البصر، لأن العين ليست دقيقة... التذوقات كانت هي الأخيرة والأصعب، فقد طال تعلمها. الحامض على عدة تلوينات ذوقية، والمر بآلاف المذاقات، والمالح بدرجات متفاوتة جدا. أما الحلو فكان قليلا، لأنه لا يخرج عن سكر الصباح والمساء بدار الخيرية. بالنسبة للروائح، كنت معدم الشم. فالوسط الذي ترعرعت فيه هناك؛ روائحه الملوثة دائما عطلت ذاكرة الشم، فأضحت مشلولة منذ زمن طويل.
تتشح الطبيعة برداء شتوي، تعانق عويل رياح الجبال السامقات، تتراقص أفنان الأشجار لتصدح موسيقى الطبيعة ،تتزاوج مياه الأنهار المنحدرة من عال مع مياه المنحدر، يا له من تزاوج جلل !.
انغلق دهليزا عيني كلاهما , ورحت في غيبوبة لانهاية لها , عميقة, غريبة ,ارتحلت معها أُلفتي مع المدينة, انحدرت نحو غربة بلا حد ، لقد لامست روحي نظرة من عينيها الواسعتين , البحريتين ، اذ وقفت امامي, تدلت , كل الثمار , وعرش الزيزفون في الحدائق , وتصاعد احساس حزين شد نياط القلب وراح ينتشر عبر الساحات والمسافات الماهولة ، العصافير اكتمل نشيدها باغنيات تنبعث من النادي , الخاص بطلبة الجامعة , وكدت اصرخ وانا ارى المنظر اللاغي لكل الصور ،