مـأتـم سـيـار – قصة : محمد الفشتالي
لفظ فورانه تماما. الفوران النهائي تم على يدين معروقتين. الهامد الآن أسلم ذروة فوراته، وبخاره تقطر عمودا نديا فوق صناديق متراكبة في المستودع. كانت ذات اليدين المعروقتين قد وصلت لغرفة التجميد تشع بقوة غامضة. بعد أن أفسح لها عساس الجثمان، اختفى، ولم يعد. لم أدرك ما القدر الذي طوح بي قريبا منها. تجعداتها اتسعت، و على الأصح مططتها لتفرج عن ابتسامة باردة، بل هي ميتة؛ بها أبلغت فحوى ما أرادت، ثم مصمصت شفتيها. هممت بالمبادرة، لكن ما لبثت أن تواريت إلى الخلف سادرا، وهرقات ماء تتوالى في تقطع . لم أعرف على وجه التدقيق إن انطلق العمل تدليكا، أم تشريحا في برنامج نشاطها السريري الذي ترعاه بمفردها...
- ما بك؟ لم أنت ساكت هكذا؟!.
غادرت عالمي الضيق على عجل؛ لأستمتع بطهر الفجر ونسيم الصباح...
تهالكت الأقدام رديئة الوزن تهضّ صمت الرّخام الحزين. والمعزّون، على أوْجعٍ من الفاجعة، يتبعثرون وقوفا جهما في انتظار أن يخرج صاحب الدّار، كان أُدخل غرفة أخليت من أثاثها الوثير يغتسل من بهجة الحياة ويلبس بياض الرّحيل المتداول.
كما القطارات التي كتب لها طريق واحد لاتتعدى مساره ، كذلك يمضي العمر محملا برغباته المقهورة التي تموت اذ لاتلتقي ومحطات رسمها لها صاحبها ، وكذلك يسير كل شيء الا الانهار .
فِيْ مَشْهَدٍ ضَرَير وَحُمْرَة تُشْبِهُ الْكَرَزِ خَلْفَ قِنَاعِ الْرَّفْضِ، تَصْحُو ثَمةَ أَشْيَاء عَلَيْنَا أَن نَبكِيها وَلَا نُبَادر إلى الْبَوْح بِهَا.
لكي تتم الشهرة العالية للاديب المبتدىء , في نشرنصوصه , ولكي يختصر طريق صعوده الى قمة مجده , فقد اتفق معه الناقد الشهير , الذي لايكتب عن احد ما الا بصفقة .
تحت ظلال وارفة، انغمستُ بكل كياني مستمتعا برائعة:
كلوديـا...بائعة التّفّاحْ، دَّكْنَاء كحبة بُن، كانت كالرابعة والعشرين شَّتاءًا...أيُّهذا الجمال؟ حُزْن في عينّاها البّلّيلة، كأنكسار الغروب بخموره المُعَتقة. حُزْنها جحيم سحيق، صفيق،...حُزْن يسير بمَسّاء خَلفَ أطراف عميقة السَّماءُ، كُلّ شيء في يديها يُسكب في طيوب. يَطالَه رفات السفر، في حليّكَة، وَالسير الذهول، يتمادى بنان شّحذ في الجسّد الرَّاقص تيهه.
مـطـلـع
فجأة وجدت نفسي واقفا وسط هذا الحشد الهائل من الناس وأنا امسك بيدي هذه الرمانة اليدوية المنزوعة الأمان التي قد تنفجر الان في اية لحظة بمجرد التراخي البسيط الذي قد يصيب يدي . وأنا اصرخ بين الناس أن يهربوا بعيدا عني ولكن يبدو وكان لااحد يسمعني ولم يهرب من امامي احد لغاية الآن . ربما السبب هو هندامي الانيق وربطة العنق التي لفت حول رقبتي بعناية واهتمام كبيرين , كما تلف المشنقة بإحكام على رقبة مجرم يؤمل ويُنتظر موتُه منذ زمن بعيد , جعلت لا احد يصدق ان هذا الرجل الذي يشبه استاذا جامعيا ولا يثير الريبة بشكله أو تصرفاته أن يكون إرهابيا .