وراء الباب الموارب!!!..... ـ قصة : أيت حسو مبارك
وضعت يدي الصغيرة على عيني تلافيا للطقوس الجنائزية التي تحيط بي من كل جانب،وانخرطت في بكاء مرير.ما حولي كله يزرع الخوف والحزن بسخاء. أجساد مترهلة ملفعة في ثياب بيضاء ،،،عيون محمرة من فرط البكاء،،،وصدور تصدر عنها آهات مكسورة.
محاولات أمي لثنيي عن البكاء باءت بالفشل.ربما أربكها سلوكي أمام ربة البيت فجاء سلوكها معي متشنجا،تعنفني طورا وتغريني آخر.
نشيجي يتطاول بطريقة منغمة...حرنت ،لا أحد يستطيع إيقافي عن البكاء...بكائي يزداد قوة بفعل سحائب بخور العود المنبعث من مبخرات فضية وضعت بعناية في زوايا متفرقة من الدار الفسيحة. كانت الحركة قليلة ،على غير العادة،نساء يتنقلن بين الغرف أو باتجاه ’’الروا’’حيث تعد كؤوس الشاي والقهوة للحاضرات.
تنهدت وقد ارتسمت على شفتيها الزرقاوين بنور القمر ابتسامة شاردة، تحرك قلبها واشتعلت عروقها وجداً، وآثرت أن تتعامى وتتجاهل سكرته ولهيبه.. طاف بها خيالها إلى عالمها: أنوثة كجُحر فأر كثيف السبل، يختلط فيها الضعف بالكبرياء والذوبان والجنون والذكاء والخوف والرغبة في التهام الأشياء وأضراب عديدة من الرجال كأحمد البائس الفقير، الذي يحبها بجنون فظيع .. فظيع جدا .. فما تفعل مع امرئ يحبها حبا لا يسمح فيه لقوانين العقل أن تعمل أو أن تقول كلمتها؟
نهض عيسى من فراشه لما ملأت زقزقة طيور الخطاف باحة المنزل وغرفه الثلاث . اطفأ التلفاز الذي يبث النشيد الرسمي وصورة السيد الرئيس بشيء من الضيق ، وابتعد عنه خطوة . كانت الساعة تقارب السادسة والنصف صباحا ، وكانت موجة الحر قد بدات في الاشتداد ، رغم هطول زخات قوية وطويلة نسبيا من المطر اواسط الليل... تثاءب فاتحا فمه الى حده الاقصى . ثم توقف لحظة ينضر في الطيور السوداء البيضاء ، وهي في طيران عشوائي داخل المنزل . لم يدر بذهنه اي سؤال ، ولكن مشهد الفوضى لم يرق له تماما... رفع تبٌانه الى اعلى ،، وفتح ذراعيه يتكسٌل... احس بالرغبة في العودة الى النوم ،،، التفت الى فراشه المسجى على الارض وسط قاعة الغرفة ، ثم الى الطيور الصاخبة ، ومطط شفتيه في حركة رياضية... "سيبدا الان يوم جديد" ،، حدث نفسه فانفجرت الكلمات متراخية من عينيه . مضى الى الحنفية في المطبخ غسل وجهه وتفقد ملامحه في المرآة... فتح ساقيه اكثر من مرة ، وحكك خصيتيه .. حاول تذكر تاريخ اليوم :السادس عشرة من جوان... تاريخ عادي الى حد الساعة... وليس بمقدوره ان......
*الثلاثاء:
يبدو السؤال غريبا بعد كل ما حصل من التنظير الفلسفي و الأدبي و الثقافي , لكن في واقع الأمر كل فرد منا نحن البشر في حاجة لطرح السؤال في مراحل مختلفة من حياته , كلنا في حاجة لمراجعة تصوراتنا عن المعيش و عن ما نمارسه يوميا بشكل روتيني لأننا لا نطرح السؤال حوله و كأنه بديهي أو كأن معرفتنا به من قبيل المسلم ت، وربما يعزى ذلك لكون الظاهرة "الحياة" تحتوينا لذلك تنعدم المسافة بين الموضوع و بين الذات العارفة "الإنسان" , و السؤال عن الحياة يكتسي أهمية قصوى قد لا يدركها المرء , لأن الفرد لا يقدر الأسئلة التي تشغل باله بوعي أو بدون وعي بقدر ما يقدر الأشياء الملموسة و يطرح الأسئلة حول ماهو ملموس فقط ، و يبقى السؤال بذلك مضمرا و مقلقا إلى أن يجده الواحد منا كامنا في تلافيف دماغه , يؤرقه و لا يعرف السبب بل و حتى لا يعرف حلا لأرقه إن لطرح الأسئلة التي قد لا تبدو ذات نفع مادي دورا هاما في تحقيق الراحة النفسية التي تعتبر رأسمال غير مادي هي الأخرى , و قد قال البشر كثيرا عن الحياة , قالوا عنها كل من موقعه و من مرجعياته المعرفية و الحياتية الواقعية و لو أنك تسألهم واحدا واحدا هؤلاء الذين انشغلوا بالسؤال ستدرك التباين الحاصل في إجاباتهم ما يؤكد لك أن الموضوع يستحق التركيز و أن مسألة تصورنا عن الحياة نحن البشر تكتسي أهمية قصوى باعتبارها سؤالا مؤسسا لمنظورنا الكلي للوجود و للذات أيضا التي يتضمنها الوجود أو التي تخلق الوجود وكلا الوجهين ممكنين , و لنفترض
رن هاتفي بقوة، خاطبني صوت جهوري آمر...ضاحك... يسألني عن الأولاد والحال...والدنيا...آنست من حرارة الصوت وذبذباته شخصا كنت أعرفه...وخلصت في لحظة وجيزة إلى التأكد من الوجه الذي تصورته، والصديق الذي عرفته يوما ما...ربما...
لم تكن "هنية" على علم بما يجري ..
سافِر بي كي ينطق الياسمين، كي يجُنّ القلب ويكسر المرايا الصامتة ويُعلن الانبهار، كي يفتح كفّيه امتداداً لنيسان، لزهر البنفسج، لشقائق النعمان، لورود كالشمس تزهو، كماء يترقرق بين شفتين، كالفُرات العذب، كرشعين الهادئ تألّقاً يثغو مع تأملاتي، لـــــيضمّخ الندى عطراً طيباً عابراً كل الجهات، كصحراء ارتعَشت فيها حبّات الرمال المُلتهبات، كلفحة
عالم بأكمله يغرق في طوفان من الصمت اللانهائي… وكان الإنسان كتلة من التحدي و الإرادة
تمنى " العوفير" لو لم تلده أمه , على الأقل بجوار ثكنة عسكرية ! , فحظه التعس ساقه إلى التجنيد , ولم يُفلح في خلق فرصة شغل بقريته المنهكة . ظن أن مثابرته و تحصيله لميزة "متفوق" في دراسته ستُمكنه من كسر القاعدة , لكن روحه هي التي انكسرت , وتوزعت شظاياها على التلال الرابضة بمحاذاة الثكنة !
كانت أعينهم البريئة مشوبة باستفهام غريب ..لأول مرة تطرق هذه المفردة أسماعهم .. تحاشى النظر إليهم وهو يصر على الوقوف بمحاذاة الباب غير آبه باصطفافهم المتعب في انتظار الدخول ..