العطر – نص : : محمد ابوناصر
اذكر أن ذلك حدث ذات ليلة ممطرة.
ما يؤكد عندي ذلك, قولها ذاك الذي بقي محفورا في ذاكرتي
كذلك الوشم المحفور في شق مؤخرتها الأيمن, والذي يمثل كوبرا في حالة انقضاض.
قالت يومها ونحن نلتحم التحاما تاما
_أحب أن نفعل هذا الشئ والسماء تمطر...
ضحكت واسترسلت
_وقع زخات المطر على زجاج النافذة يزيدني إثارة .....
مشكلتي في عدم القدرة على ضبط المفاهيم ليست وليدة اليوم , بل تمتد جذورها إلى أيام الصبا الأولى فمثلا تعلمت من المحيطين بي , وأنا صغير , أن أسمي الأعمى "بصيرا " والمقعد زحافا " . عمتي عندما أنجبت ولدا معاقا سمته " سالم " . عندما توقد أمي نارا تقول لي لا تقرب من " العافية " حتى لا تحترق .
دعوني أخبركم عن تجربتي الأولى ،عن اندهاشاتي، فقد كان العالم واسعاو المسافات شاسعة وما كان يجري كبيرا و متنوعا و كانت سرعة التقاطي للأفكار و الرؤى بطيئة و متمهلة، ذلك لأن سيلا من الدهشة و الإعجاب يسيل حولي كلما أطلقت عيني تجوسان المكان ، تتفحصان كل وجود جديد أعده صيدا و غنيمة لغرائزي التي تنطلق تباعا دون مقاصد، هذه هي تجربتي الأولى و هكذا كا ن وجودي منبسطا و محتفيا بإدراكات ملونة ، لا مثيل لها في تاريخي الماضي القصير ، هكذا أتممت تأسيس قواعد إدراكي و من ثم ضعت في التيه الممتد من بوابات الثغو الأولى حتى مصاريع أبواب الهرم المهترئة ، كائنا لا أشبه ما كنت عليه إبان وجودي المجازي في ذلك العالم العلوي، و ها أنا الآن بعد ذلك أجلس في مكان أوهمت نفسي و الآخرين على إنه المكان الملائم ، يمرون بي يرونني بسحنتي ذات الملامح العادية ، لكن ما بداخلي يزمجر كحيوان جريح ، لست أنا وحدي كذلك إذ إنني أكاد أرى حيواناتهم الداخلية التي تطل من أعماق نفوسهم تتحين الفرصة للأنطلاق في أدوارها بعضهم حيوانه مستخذ ككلب يضع ذيله الأعوج بين فخذيه القذرتين، يلبس تلك النظرات المنكسرة ،و بعض تلك الحيوانات الداخلية يعوي كالذئاب وبعضها الآخر يتلصص كابن آوى وأخرى تزمجر كأسود جائعة و آخر ينهق كحمار ، جميعنا نشترك بشكل عادل ببزوغ حقائقنا الحيوانية التي تنكر لها باضطراد زمني متتابع و طويل تكويننا المدعي بأنه ينتمي للسماء و حيث دربنا أنفسنا على إتقان الوهم ، ذلك الوهم الذي مفاده
لقطة رقم1 :عناق
بعد الظهيرة، تغري الشمس الخريفية بالاسترخاء اللذيذ، والسكون يخيم على حي النجد. الأحد يوم الكسل المقدس.. تتمدد فوق الرمل، تحس بدفئها يتسرب إلى مسامك، والقطة الوديعة تتمسح بساقك، كأنما تشاطرك افتقاد أنيسكما العجوز. ترنو إلى كوخ عبد الله بآجره الرمادي، تستغرب تصميمه على البقاء في "البرّاكّة" وسقف الطابق الثاني قد قارب البناؤون على الانتهاء منه، بينما بقية العسس اختاروا إحدى الغرف الدافئة بالورش، تفسر الأمر على أنه يفضل السكن في "البرّاكّات"، التي التهمت عمره.. تحدق في تجاويف سدت بمزق أكياس الإسمنت وأوراق الجرائد اتقاء لشر برد ديسمبر. تتأمل السقف القصديري، الذي رميت فوقه أشياء كثيرة، أغلبها لا يصلح لأي شيء، بيد أن عبد الله يحب "القُـش" مثل الجرذ، كما يقولون عنه، ويقضي سحابة نهاراته في البحث عن سقط المتاع في الجوار.
نزيهةٌ رفيقةُ دربي هي مشكلتي الآن هي تراثي الحميم الذي لا يفارقني أبدا والآن صارت نزيهة مشكلة بعد إن سرى بجسدها الغض المرض الخبيث، وطدت العزم على الصمود أمام هذا الواقع الذي يناكدني و يريد كسري والسخرية من وفائي لنزيهة خصوصا وقد سلّط علي جارتي المطلقة اللعوب ميادة التي صارت تزورنا بعد العشاء بحجة الواجب الذي يحتم عليها تفقد نزيهة بعد مرضها العضال كما تقول هي ولطالما سدت علي الطريق غارزة عينيها في عيني تتكلم بلغة العيون الفصيحة والواضحة محرضة نفسي على خيانة نزيهة ولطالما تمنت موتها أو الوقيعة بيني وبينها لكنها لم تفلح أبدا أما الآن بعد داء نزيهة العُضال فقد أمعنت في أحلامها بالاستحواذ علي بعد موت نزيهة المتوقع فارضة علي الأمر الواقع و لطالما ألمحت أثناء مزاحها المستمر معي عندما تنام نزيهة مخدرة في نوبات علاجها أن مصيري في أحضانها بعد نزيهة لا سمح الله .
وماذا بعد يا حبيبي؟... ماذا عن دمعة كحلَتها ضحكة رضى تبسَّمت عن كاهِل قَسا؟.. ماذا عن نور اغرورق حزناً كلما مني دنا؟.. ماذا عن القناديل الحمراء في ليلة غاب قمرها وتدثّــــَر بين شفاه فراشات صم تشهق صبحاً وتلملم بأجنحتها الندى؟!... ماذا عن حروف بثّت حزنها في قافية تسرب منها ضوءنا؟!..
ينفلت عبر الجدران العالية مغازلا العيون الراصدة ، يستقر في الركن الجانبي / ذاك الشعاع والممتد أرضا تلفحه النسمة .
كنا ننذر النذور وندعو ، وكنا نتضرع لكل شي ء مقدس أو غير مقدس مما لدى الكبار ، إنسانيّا كان أم حيوانيا ، نباتيّا أم حجريا ، حياّ أم ميتا ، على عادة الأطفال غير المسؤولين عن شيء وغير الملتزمين بشيء . والذين هم على العموم لايؤمنون بشيء أكيد سوى ما يلبي حاجاتهم . كل ذلك لأجل أن يأتي العيد ويمر دون منغصات تكبل يديه فلا يعطينا ما نأمل أن يأتي به لنا ، وهو كثير جدا وكبير ، باعتقادنا كأطفال صغار .
جلس ليلة أخرى يلاعب قلمه بأصابعه على شفا ورق أبيض لا يعرف ماذا سيفعل أو من أين سيبدأ …؟
إلى (أ.د)