أحفاد يوم الخلق ـ نص : د.ماجدة غضبان المشلب
بعد رحيلك الأخير ، لم أتحرك من مكاني ، و لم أحاول غلق الباب الذي تـُرك يترصد إبتعادك..
أشجار إعتلت آثار أقدامك ، و أبطلت بإخضرارها كل لون لم تألفه..
و غيوم أمطرت سماوات سبع غير التي ذكرتها الأساطير..
أراض سبع ركعت تحت سلطان صمتي..
برمشة عين من جفني سقطت قطرات أحلامك.. دون موسيقى المطر..
و بحركة من سبابة يدي سقطت أغصانك المعتمة في فصل خامس لا مكان له في سنة البشر..
الموشور الذي ورثته قد أفلح في تحليل الضوء الصادر من شرارتك الأخيرة..
يقال انه أفلح..
لم ألحظه بداية على جدران الغرفة..
أحفادي الصغار لمحوه ، و رسموه بأقلام كنت أجدها دون لون ، لولا انها غرست في دفاترهم ، و آستظلت تحتها حياتي الموشومة بألوانك المستعارة من إنقراضك الحتمي..
ما كان أشقانا بألوان قوس قزح..
لا أعرف سرّكِ وربما لا أجيد كتمانه !
كونه يقبع فوق تلة عالية معزولا عن كل ما يمكن أن يحيط به من مظاهر الحياة له دلالتان .. إما إن من بناه كان يريد أن يعتزل المجتمع و يكوّن مملكته الخاصة و إما أنه أراد أن يشرف على كل ما يحيط به بنظرة بانورامية سمائية ... أو أن ما يحيط به لم يعد يطيق أن يحتوي هذا الكيان بما يشمل بين جنباته.
الشاي الأخضر يصب ككل مرة بلا رغوة، والخبز يقطع إلى أجزاء ثم يدهن بالزبدة الرومية والعسل المغشوش، لم يلاحظ أحد أن حدوثة الإفطار هذه أصبحت مملة، والصمت الذي يطوف بالكؤوس فضح كل الأفكار السيئة التي تروج في الرؤوس، تمنيت ساعتها لو جرى الكلام بيننا و ستر سوء النيات و خبث التخيلات، لكنهم كانوا مصرّين على تكرار الحياة..لم أكن أستطيع أن أوقف مهزلة الأكل بلا شهية و العيش بلا أمل.. بعد قليل سيتفرقون في البيت و خارجه وسيلبسون نفس الملابس و سيقولون نفس الكلمات و يخطون نفس الخطوات و سأبقى أنا جالسا مكاني أراقب برّاد الشاي والكؤوس الفارغة بكره شديد وأنتظر إلى أن يتلاشى عني ألم المعدة الذي يجتاحني عادة بعد كل إفطار بالشاي والزبدة وسأقوم بعد ذلك وأنا أدندن بكل الأغاني التي أكرهها وأخرج من المنزل لأقف مع الأصدقاء وقفتنا المقدسة، و سيدور الكلام بيننا عن كل شيء غريب.. حتى الكلام عن عدل الملوك..
اعلم ان الأمر لا يعنيك ، قدر ما يعني لصنم ما صنعت به الأصابع الملطخة بالطين..
هذا صباح آخر كما أشتهي..
عند الغبش , وجدت نفسها ممتدة قرب جثة لحمية ضخمة بشوارب ستالينية , تحاملت على نفسها وغادرت الفراش , غسلت وجهها ولبست جلبابها وانصرفت بهدوء .. حتى لا يستيقظ ستالين !! ضاغطة على اوراق النقود التى كسبتها من ليلتها وكأنها تخنقها .. تنتقم منها ..
لمْ يكنْ بدّ مِنَ التململِ اوتحريكِ ساقيّ لجرّ قدميَ فقد شعرتُ كأني والمدينةَ في جوفِ كائنٍ خرافي من ذلك النوع الذي ينفث النارَ ، الأرضُ تحت قدميَّ محروقةٌ وبصيصٌ من غبشٍ مقهورٍ يُغلفُ المنظورَ بسلطة ظلامٍ مُعتق لم يغادرأمكنته منذ زمن بعيد فلا شيء غير الرماد، الرماد وحده المهيمن مشبعا برائحة الحرائق ، ذاكرتي قد مُحيَتْ تماما إلا من شعور ساحق بالخوف والترقب محاذرا من التمادي والإفراط في الحركة أشعر بثقل عيون كثيرة تراقبني وتتحين فرصة للإمساك بي ، لا شيء في كياني بهذه الآونة غير انتفاض غريزة البقاء، أمد نظري نحو الإتجاهات فلا أجد غير الرماد ، حتى السماء كانت تمور بها من فوقي سحبٌ رمادية والظلام لا زال يكتنف الأبعاد مخلوطا مع بقايا ضوء محتضر مغلفا كل ما حولي بالأسرار والغموض وبينما كنت أختلس نظراتي اختلاسا انبثق ليس بعيدا عني عمود من دخان رمادي أعقبه على مسافات متباعدة أعمدةُ دخان أخرى .
رجفتُ.. رجفتْ دون ارتعاشٍ..قالتْ في غيرِ خطابٍ، لأفهمَ.. فهمتُ... استنجدتْ عيناها حكايا جفْـنيّ.. حالمٌ منْ قال تعطلتْ لغة الكلامِ.. كلُّ أشياءِ الكائن ناطقةٌ.. الفمُ ..الشفتان..الأنفُ والسمعُ.. الأصابعُ.. وقفةُ القوامِ ناطقةٌ.. للشعر، جدائلَ،أو جداولَ، لَغوٌ..وكذلك العينان نابِستَان..
أنا الموظف ع.س