الزعيم! ـ قصة : عمر حمش
في حارتنا لم يكن الونش يحظى باحترامٍ يذكر، رأسُه الثقيل الأشعث أثار غيظنا، وكرشه زاده قُصرا .. لكننا كنا إذا ما غاب؛ افتقدناه .. وذهبنا إلى باب بيتِه، ننادي جماعةً :
يا ... ونش!
أبوه صاحب الشارب الكبير يخرجُ؛ لتقدح عيناه، ونحنُ نقفز متباعدين:
روحوا .. يا .. أولاد الكلب!
لكن الونش كان يأتينا، يغافله، ويأتينا . ..
دوما كنا نضربُ الونش، من شاء يضرب قفاه .. ومن شاء يقرصُ خديه الواسعين .. أو ينتف شعره المتهدّل المتسخ .. وهو يوزع الابتسامات .. وفقط يهمهم:
اسكت يا رجل!
هدأت أصوات الرصاص، أنين و ارتطامات بالأرض، بكاء و عويل، لحي تطارد رائحة العطر، بنادق موضوعة على مؤخرات رجال يساقون إلى الأمير. آخرون خائفون يهتفون الله أكبر، عاش الأمير. أطفال خائفون مبهورون لا يفهمون ما يقع. تكدس نسوة جميلات هناك في آخر الشارع كقطيع. كل هذا كان يمر أمام سمع و بصر سميح كلقطات متتالية من فجوة تحت الحطام ،الذي لولا السارية التي حمت نصفه العلوي لهشم رأسه. نسي رجله التي لم يعد يحس بها ، لعلها بثرت، وظل يراقب و ينصت لما يجري في الشارع، و ينتظر قدره.
دخل الحلبة مزهوا بكسوته الزاهية الألوان، يحمل سيفا وقطعة ثوب أحمر،
مصادفة عجيبة أن أجد بطنجة مقهى شبيهةٍ بالتي كانت لصديقنا "الهيبي" لكن أثرها امَّحى ْكباقي المعالم الأثرية بمدينة القصر الكبير العتيقة؛ مقهى تقبع في ركن ليس ببعيد عن " سور المعكازين" و "حومة الشياطين " اختارت لنفسها مكانا يضمن لروادها وقارا وزهدا عما يُرَوٍّجُ له فتيان وفتيات "البولفار" المنفتحين على كل "موضات" الغرب السافرة، كما أنها بعيدة كل البعد عن ضوضاء الحياة الباذخة لرواد " الكورنيش"؛ أصحاب الأموال السكرانة.
...و أضافت كاترين بلغتها المتلعثمة :
قطفته ذات ربيع وردا يانعا ، شمته ثم وضعته بباب مقبرتها الصغيرة تذكارا للزائرين.
لا حاجة للشمس (1)
كان القمرُ لا يزالُ في مهده يحبو هلالاً، والنجومُ ترسلُ ضوءَها كنظراتِ عذارى من وراءِ خدرها، تُقتلُ في مهدِها، أحسستُ أني أريد أن أناجي البعيدَ القريبَ، ذهبتُ إلى خلوتي ومعبدي، أغوصُ في الظلامِ تارةً حين يغيبُ نورُ السماءِ، وتارةً حين أطبقُ جفوني تاركاً للروح ِتسبحُ أو تعبثُ في ملكوتِ خيالها.
جلسَت على مائدة الإفطار تُناول زوجها كوب الشاي وتدردش معه عن جارتهما صفية التي بدأت تضايقها بكثرة الشكوى من زوجها كل يوم، وكيف أنها ملت من حكايات خصامهما المتكرر. وقبل أن يغادر "أبوعلي" البيت كانت صفية تهم بطرق الباب التفت مبتسما وقال مناديا "صديقتك صفية يا ليلى". خرجت ليلى من المطبخ متأففة تجفف يديها بمنشفة قرمزية اللون "خيرا إن شاء الله؟... صالحته؟" توجهت صفية بنظرها إلى الأسفل نحو الأريكة الموجودة عن يمينها وألصقت ظهرها بالجدار وقالت متمتمة "نعم صالحته" وصمتت لبرهة وعادت لتقول "ولكننا عدنا للجدال هذا الصباح، إنه يرفض السماح لي بزيارة أختي المريضة", ردت عليها ليلى بنبرة حادة "وماذا بعد؟"، أردفت صفية وهي لاتزال تشيح بعينيها عن صديقتها التي تحذق بها "وماذا عساي أفعل؟ سأكتفي بمكالمتها هذا المساء وأحاول اختلاق عذر مناسب لعدم زيارتي لها".
-لماذا نبحث عن منفى طواعية؟!