قريني ـ قصة : عمر حمَّش
من أين كنتُ سأدري بما أتى، في البدءِ لم يكنْ يظهرُ في العلن، كان فقط يهمسُ، وأسمعُه طنينا، افعل، خذ، هات، كان آمري ومرشدي، وكنتُ الطائعَ المتلقي، كان برفقتي أين حللتُ، يسكنني، ولا يغادرُ، أستمعُ إلى لهاثِه، فأحتارُ، أأنا هو، أم أنا أنا، كيف أفرّقُ ما بين أنفاسي وأنفاسه، يبكي، فأبكي، يضحكُ، فأضحكُ، ويصرخُ؛ ليسبقني، كان لي نبيَّ النبوءات، فيلسوف حكايتي منذ البدءِ إلى المنتهى، يفكّكُ، ويركّبُ، يبشّرُ، وينذرُ، واحترتُ، أأمقتُه، أم أحبّه، على بسطة الخضار كان يحركُ سبابته، فأمدّ سبابتي، أنتقى ما انتقاه.
امْتثلَتْ تلك الغابات لأمطار الشتاء ،مُنتشيَّة في غَبَشِ يوْم شتوي تَتَلأْلأُ فيه قطرات الماء وقد عَلِقَتْ في الفضاء القريب ،رسمَت ألوان الطّيف وسَمَّت نفسها قوس قزح ، قطراتٌ علِقت دون إذْن منها ،رسَمَتْ ألوَان الحياة واستسلمت لتلك القِوى الخفيَّة الّتي جعلتها هناك بين السماوات والأرض. لكنني ما أردت لها الضعف والهوان .
في إحدى سهراتِنا الخالدة؛ شدّني انعكاسُ ضوءِ القمر على صفحاتِ بطونِ القبور، حتى أصابني خفوتُهُ بالثَمَل، فآثرتُ التوَحدَ مع القبورِ، وأن أنعمَ بصفوِّ ليلةٍ هادئة، ولكي أتخلصَ من رفقتي؛ شرعتُ أروي حكاية القطّةِ مع جدتي، وكيف خطفت زغاليل الفراخِ في العلن.
مشى كثيرا ، دون اتجاهات محددة تقريبا او باتجاه أشياء كان يظنها هناك ، لكنها كانت سرابا كلما اقترب منه و مد أصابعه ليلمسه و يقبض عليه كان يتبدد من أمامه و يتطاير ساخرا إلى أبعد مما قد تحمله انفاسه المتقطعة .
وسط ساحة كبيرة تعددت بها منصات يعتليها رواد الفن الشعبي، في إحدى المناسبات الوطنية، كنت أتأمل _وأنا ابنة العاشرة_ أجساد نسوة ترتعش على إيقاعات موسيقية، كنت أتخيلها تارة كأجساد عصافير مبللة تنتفض وتارة أخرى كأبدان صعقت بالكهرباء تضطرب. كانت تبهرني الحليّ التي تزين معاصمهن، أعناقهن وجباههن وكذا لباسهن التقليدي البهي، كما كانت تثيرني عيون الكبار التي تكاد تخترق بنظرتها تلك الأجسام الممتلئة كالسهام. و أنا لا أزال أتابع المشهد إذ بلغ مسامعي حديث سيدتين تقفان قبلي وهما تلوكان سيرة الراقصات بين فكيهما وأنا أتتبع كلامهما بالنظر إلى هذه ثم إلى تلك وألاحق ملامحهما التي تتغير بين اللحظة والأخرى من الاستغراب إلى الاستنكار مرورا بابتسامات ماكرة. كانتا تتحدثان عن جمال "الشِيخاتْ" اللواتي تنحدر من مناطق عدة من البلد وعن إغرائهن للرجال بحركاتهن الجريئة والتي توحي بالكثير..."جميلة" كانت إحداهن، قالت السيدة السمراء التي تقف عن يميني أنها تسكن قريبة من بيتها بحي "الميزيرية" كانت تشير بالبنان لفتاة وسيمة حوراء العين طويلة القامة خفيفة الحركة، تخالها أفعى تتلوى على نبرات مزمار، نظرتها حادة، لا تبتسم كالباقيات......
البئر أظلم عميق..
في طريقهِ ٳلى مقهى "توارج" صادف بشاعتها .. لا لم تكن بشعة كان جمالاً وحشياً ولم يكن مستعداً بما يكفي من الفراغ لملاطفتها حينَ اقتربت منه لثوانٍ معدودة .. فاجٲه القرب ٲولاً لكنه استسلم فالتصقت به وشعرَ بمثاليتها ما ٳن وضعت يديها على كتفيه كزوجة ، قال لها ٲنتِ مثاليّة في تطرّفكِ كهيجل.
بدون سابق إنذار وقفت أمام شباك الاعتراف في شموخ نبيل، وكأنها تُهِّم بأداء أغنية أوبيرالية أو تستعد للعب دور كليوباترا، كانت نظرتها بالرغم من الضوء الخافت تحمل أكثر من معنى للحياة، رسمت علامة الصليب على صدرها ثم قالت بصوت مبحوح أشبه بصوت ملائكة السماء عند تسبيحهم للرب :
ضاع العمر يا ولدي