مقامة الفيلودوكس- ناصر السوسي
حدثني في من أعرف من الناس وهو الأصلع ابن حنين عن أحوال الفكر فمضى يقول هذا الذي احتـفـظت به على سبيل الذكر: صاحبي فيلودوكس بأطياف قوس قزح، يتهادى مغرورا في ديجور جهل الجاهلين. يتغنى بأفكار مر عليها مرور الكرام العابرين. أو حلم بها من وريقات كتب بلون اليرقان نظير"قـرعة الأنبياء" العزيزة على قلبه، وقلوب أشكاله من المتحلقين، وأمثاله من المتحذلقين. يدثره ثوب قشيب عجيب يتوسل به وقارا بصنعة زائدة؛ مؤملا أن يضفي ويسبغ على كلامه فائدة.
يطل عليك في الجمعات كيما يفرق لغطه شذر مذر؛ وهراءه كما له بدر، ساعات معلومة، تضحى خلالها محبة الحكمة حشمة مكلومة، يشمر فيها على ساعديه فيعجز على مدارها عن لملمة أحرف نمقها من غير أن تستقيم في فيه الذي ينطقه هوى وجهلا؛ لا تبصرا وعقلا.
زداااااااف...استيقظ العياشي على إثرها هلوعا من هول ما رأى فيما يرى النائم بعد وجبة عشاء عديمة الفوائد.استيقظت زوجته تردد ما تحفظه من كلمات تليق بهكذا مناسبة .
و ركبنا قطار الحياة و بقات ورانا ذكريات ...
في الرثاء
واقف على قدمي المتعبتين، أنظر في هدوء أبله عبر زجاج نافذة تشبه البلاستيك المبلل إلى الأرض، والأعشاب البرية تمر تحت قدمي بسرعة خاطفة، كلما ركزت النظر قريبا تزيد السرعة، وكلما نظرت إلى الأفق البعيد تصبح الصور أكثر ثباتا وأكثر إمساكا بنتوءات الذاكرة. ما هذا الوهم الجميل الذي أعيشه؟
كان رأسي يؤلمني من فرط المشي والصراخ في الشمس. قلت لعبد العزيز:
حين جلس في المقعد المقابل لي في الحافلة أحسست أن وجهه مألوف لدي بشكل كبير، وأن علاقة حميمية كانت تجمع بيننا ذات يوم... ولكن أين ومتى؟... أدركت أنني لن أهتدي إلى ذلك بسهولة... وبدأت أتأكد أن ما تعيِّرني به زوجتي لم يكن مجرد دعابة، بل له نصيب من الصحة... فقبل أيام اختلطت عليّ أرقام خطوط الحافلات، فوجدت نفسي في حي لا صلة لي به ولم تطأه قدماي من قبل... واضطررت إلى الاستنجاد بالقابض ليدلني على الرقم الذي يتوجه إلى حينا... كانت زوجتي تقول لي في خضم مشاحناتنا المتنامية:"لقد خرّفت يا رجل... وبعد مدة قصيرة ستنسى حتى اسمي واسمك..." وكنت أكتفي بالابتسام دون الرد عليها...
كالبيت الخرب ينفر الساكنون منه تحس، كانت إلى الأمس زمردة تشع جمالا أخاذا لا تقاومه عين، إلى الأمس القريب كانت ريحانة تشم و عندما تمر يبقى العبق الفواح بمنطقة مرورها أياما عديدة. لا تدري ما كان السبب في هذا البلاء الذي دق بابها بإلحاح، و عندما رفضت لج في الدق و لج و ألح. و عندما أبت أن تفتح أطاح بالباب وولج.
أوغل الليل في جوف الظلمة ولّما يأتِ زوجها المفقود في الحرب. اقتربتْ من النافذة، أنصتت.. فتحتْ درفتها الصغيرة، اشرأبّت بعنقها ووجهها المتوثب تنتظر قدومه كل ليلة عادة دأبت عليها .
و حين هم الشيخ العارف بالله أن يغادر القرية حاملا في طيات قلبه شوقا إلى أرض الحبيب المصطفى كان قد آلف أهل القرية و تعلق قلبه بهم لما فيهم من طيبة و بساطة و تعلقت قلوبهم به لما فيه من حكمة و حب للناس، حين هم إلى ذاك تقدمت إليه فتاة فارعة العود رطبة الوجه كالغدير السلس، و في عينيها دموع الأسى و لوعة الفراق، وقالت:
لحظات و تشرق شمس المغيب ، يرخي الليل أولى ثرياه ، و يعزف القمر لحن الحياة . هلموا يا أهل الصلاة ،'' فالصلاة خير من النوم '' .