تأملات سردية فلسفية : الحقيقة ـ نص : محمد الفاهم
من أنت يا أنا أيها الكائن في ؟
أيها الغريب الذي لا يريد أن يبتعد عني
يبحث الإنسان عن الأسرار ، لكن أكبر سر يحمله بين جوانبه . أتصور أحيانا في النهايات القصوى للزمان ، وبعد أن تخرج الحقيقة من البئر حاملة سياطها ، ما الذي يمكن أن تقوله للبشرية أي سر سينكشف أخيرا ، أي ضوء سينير الظلمات ، ذلك الصوت البعيد القادم من وراء العوالم الخفية ، ما الذي يمكن أن يخبرني به .
تبدو لي الحياة أحيانا كما لو أنها ليلة واحدة طويلة تنامها البشرية وستستيقظ في حلم آخر ، زرقة في داخل زرقة . الحقيقة منيعة عن الجنس البشري لكنها دائما تحدق إلينا بجفون مفتوحة . أحتاج الكثير من التفكير للتعمق في الحقيقة ، لكن القليل من الكلمات قادر على قول ما هو أساسي وما هو أساسي هو أنني أفضل الحياة على الحقيقة ، أفضل الوجود على الفكر ، أفضل الإحساس بالغيوم على فهم الغيوم .
التأجيل بالنسبة لي يعني التشبث بالحياة ، رفض الحقيقة . أعتقد أنه من رحمة القدير بنا أنه منحنا هذه النعمة : التيه ، القدرة على النسيان ، التأجيل الدائم لمواجهة الحقيقة .
هكذا أمضي تحت المطر الخفيف في الشارع الطويل الذي يفصل الثانوية عن المنزل ، من هنا إلى هناك تزدحم الأفكار في ذهني كما لو أن رأسي يشبه محطة لا تتوقف عن الحركة . تؤلمني الوجوه العابرة في سطحية الحياة ، في الضمور اللانساني لمعنى الحياة...
عيناهُ لا تنصاعان لإرادتهِ وكأنّ ما بينها وبينَ بائع الفاكهةِ والفاكهةِ وقفصِ السعادين الذي استقرّ مقابلَ الدكانِ على الرصيفِ خيوطاً لزجة ً ،تخيلها مصيدة ً لعنكبوتٍ أخفاهُ الوهمُ لكنهُ ظلّ متحفزاً لصيدِ ما استدرجَ من مخلوقاتٍ لمصيدتهِ ، عبثاً حاولَ أن يَحيدَ بنظرهِ عن التُفّاحِ وعن قفصِ السعادين ، فكرّ أنهُ لن يحظىَ كلّ يومٍ بفرصة ِمُراقبة ِسعادينَ عن كثبٍ، لكنهُ وهوَ يراقبُ السعادينَ شعرَ أنّ عينيّ صاحبِ الدكانِ تلتقطانهُ بخيوطِ نظراتهِا اللزجةِ كعنكبوتٍ أدمنَ مدّ تلكَ الخيوطِ في دروبِ الفرائسِ وهو يعرضُ المخلوقاتِ التي تشبهنا كثيراً على الرصيف، هي الخيوط ذاتها التي امتدت من المشهدِ و العنكبوت الخفي لازال يترصدُ ضحاياهُ ، حاولَ تخليصَ نظرهِ المشدود إلى ما يراه ولكن عبثا فكلما حاولَ تفاقمَ خيطُ العنكبوتِ الموهوم ملتفاً حول عينيهِ ليعجزهما عن الهروبِ إلى جهةٍ أخرى فيبدو للناظرِ رجلاً فضوليا يدفعُ بصرَهُ نحو المشهدِ بإلحاحٍ ، عينا صاحبِ الدكانِ تكفان عن متابعةِ سعادينهِ وتنشغلان بملاحقةِ الرجلِ الذي راحَ ينظرُ إليه ماسحاً بنظراتهِ أنواعَ التفاحِ الثلاثةِ ، الأخضرَ والأصفرَ والأحمرَ كابتاً في الوقت ذاته شهيته العارمة لالتهام بضعِ موزاتٍ ناضجاتٍ اصطفتْ واحدة فوق الأخرى بنسقٍ جميلٍ قد أجادتْ شجرةُ الموزِ صنعَه...
لماذا يكتب الإنسان ؟ أتراها الرغبة في الكتابة والفعل ؟أم تمزيق الجسد بالقوة وتحويله إلى صور تعلق على الذاكرة ؟
أراك كما لا تراني، تفيض بما يحتفي بالغيوم الشفيفة كلَّ احتمال قمرْ..تؤوِّلُ ما يستريح على حانة الوقت منك ومني بظلين لم يعرفا بعدُ كُنْهَ التباس البياض بهذا الفراغ المليء بكِبْرِ الخطايا..ألسنا وحيدين منذ مواويل أمي وأمك قبل البكاء على الأوفياء بحبرِ المؤرخ، عشب قبورٍ سعت كل شيء عدا الشهداء، وإيقاع ناي السفر؟..
ماذا تنتظر ؟
هو الآن قريب من ثلاثينيات العمر، نضج إلى مستوى يستطيع به أن يعي كيف يتحرك العالم، و كيف هو واقع مجتمعه و كل الحروب الصغيرة والكبير التي تطحنه، لكنه لازال عاطفيا إلى درجة التطرف كما كان في طفولته، هي من أعادته إلى ذلك العمر، إلى تلك الابتسامة التي قتلته في المرة الأولى، و هاهي تصر على قتله مرة أخرى بعد كل هذه السنين، الآن لم يعد كما كان، ولن يستطيع أن يفعل ما كان يفعله حينها و أن ينتظرها بنفس الطريقة، لقد تغيرت أشياء كثيرة في حياته، أصبحت الأمور أكثر تعقيدا بالنسبة له، الآن حبيبته لم تكن تربطه بها فقط خمسة دقائق و ابتسامة، بل كانت أحلاما كبيرة خططا لها معا، وتفاصيل دقيقة عاشاها كل يوم، كانت بالنسبة له هي محور حياته، هي أيضا كانت تحبه إلى درجة أنها كانت تسميه حلما جميلا و مختلفا قد تحقق..
اليوم كان غريبا...يحمل في ساعاته المتتالية احلاما حقيقية، ويرسم في الذاكرة قلبا نابضا يسمو بالروح الى عالم "افلاطون" حيث الاشياء المثالية. لم يعد هناك "ديكارت" ياعزيزي احمد!! ولى فولت معه كل تلك الشكوك الفانية، التي لا تسمن ولا تغني من جوع... التي لا تسمن ولا تغني من جوع!!
انها المرة الأولى التي يلازمه الأرق فيها فلا يهدأ ، وتنصب الهواجس في خياله فتذرع بتبديد النوم من عينيه الغائرتين، كمن يحرث أرضا يابسة. وبوجوم حاد تفرس وجه زوجته وصغاره، تكسوه الخيبة، ثم انغرس في الغرفة التي أكلها السواد والعفن, وأخذ يقلب نظراته بقلق وحيرة، وفي منتصف الغرفة طاولة خشبية ثبت فوقها قدميه الهزيلتين كراقصٍ صوفي وأخذ يدور ويدور كالمجذوب، والمسافة بينه وبين السماء تتضاءل أو هكذا شعر، أحس بالتلاشي عن هذا الكون السحيق، وكأنما ألقى بنفسه في فلك سماوات سبع، يفتش عن الراحة ،أو عله يلقى الله فيخبره بتلك الآهات المدفونة في صدره من شدة الحزن الرابض فيه .
-1-
لأنّ عدَدَنا كَانَ كَبيراً جدا فلم يكن "الأب" يهتم بتذكُّر وجوهنا في المناسبات التي نراه فيها على عربته المذهبة. في الواقع لم يكن ينظر إلى أيٍّ منا إلا نادرا، وإذا حدث فسوف يتخذه الابن المحظوظ عيدا وذكرى يفخر بها بيننا، وحين يقرّب إليه منا فردا لا نراه مرة أخرى أبدا. في سريرتنا نعلم انه يبادلنا نفس النفور، لعله أيضا شعور ممزوج بغيرة حاقدة: ففي الوقت الذي كنا نهرَم سريعا منتقلين إلى قوافل المنسيّين، لم نكن نعرف سر احتفاظه بفتوته حتى لَيراه الناظر شابا في مثل سنّي. ولكن أصحابه ـ الذين يبدون أكثر منه حيوية بالطبع ـ يتمادون في مدح قوته وقدرته وشبابه الممتد عبر الأجيال، خصوصا على مسامعنا. محض نفاق طبعا، ولكن فيه جانبا كبيرا من الصحة. فهذا الأب العجيب الذي يتفرد بين أصحابه بلباس متناقض تعلو فيه ربطة العنق على السروال التقليدي الفضفاض، هذا الأب الذي لم يكن يتورع عن وضع السبحة جانبا ليمسك سيجارة الحشيش من صديقة المقرب "فابيو" السمين، كان صلدا كالحجر ذا قوة سحرية تكمن في أساور يديه الذهبية التي ترتبط بجني غير مرئي كما كنا نعتقد!
ملمس الضباب كملمس جدار قاس....