خيالات كاتب مبتديء ـ قصة : إبراهيم البوزنداكي
لما رأيت المسابقة على شاشة الكمبيوتر لم أتحمس إطلاقا لها، ذلك أنني عهدت الفشل فيها و صارت المشاركة فيها نظير عدم المشاركة. لكن مثل هذه المسابقة لا يجب أن تضيع مني لأنها تتعلق باختيار محرر شاب لجريدة محلية جديدة. كان الأمر أشبه بروتين مألوف لدي، لذلك عندما أخذت نسخة من إحدى المقالات القليلة التي كتبتها واتجهت إلى العنوان تخيلت بضعة أشخاص يعدون على رؤوس الأصابع و خصوصا أن الأمر لا يعدو أن يكون شكليا، لأن جل المسابقات يكون الفائز فيها معروفا قبل موعدها. كانت دهشتي عارمة عندما وجدت أكثر من خمسة وعشرين شخصا ينتظرون أدوارهم، بعضهم جالس و البعض الآخر واقف لعدم كفاية المقاعد.
كدت أعود أدراجي لولا أن ريح المسابقة شدتني إلى الجو. في أحد الكراسي جلست فتاة نصف متحجبة ، تضع على ركبتيها حقيبتها الخاصة و ملفا خمنت أنه يضم المقالات التي كتبتها. بجوارها وقفت شامخا أنصت لأفكار غبية تضيق أفقي.
ما أكثر المفسدين، والمرجـفين في بلدته !..
أحبَّها فجأة !!
الحادية عشرة صباحا، ما تزال آثار النوم الثقيل بادية علي وجهها، إِنَّه يوم الجمعة.. بالنسبة لها عطلة من الجري وراء "الأمل" بحثا عن منصب شغل يُعيد لها هدوءَ نفسها وسكينتها.
حين اختطفه الموت أدركت مقدار ما خلفه غيابه في حياتها من فراغ... فقد انقطعت علاقتها بمن حولها حين اختارته بدل ما أرادوا.... تذكرت جنازته.... القبر الذي ابتلع جثته كان بحجم ما تشعر به من ضياع، وفراغ...
لَمْ يدقْ جرسُ مُنبه الساعة المنضدية التي بدتْ ككائنٍ نائمٍ فوقَ المنضدة الصغيرة المربعة بجانب السرير لذلك ظننتُ أنني سأتخَلّفُ عن موعد مرور سيارة الموظفين وحينَ دققتُ في الأمرَ وجدتُ أنَّ عقاربَ ساعة المنبه قد لفظتْ أنفاسَها الأخيرةَ عند الرابعة والنصف وعندما أزحتُ جانبا من ستائر النافذة المطلة على الجزء الخلفي من حديقة المنزل لمْ أستطعْ تبيُّنَ حدود الأشياء التي تقبعُ هناك وكانت الظلمةُ شديدة فكرتُ أن بطاريةَ الساعة المنضدية قد نضبتْ وكان عليّ إبدالها قبل ذلك نظرتُ إلى ساعة الحائط المعلقة فوقَ جهاز التلفاز تماما فوجدتُها قد توقفتْ هي الأخرى وكانتْ عقاربُها تشيرُ إلى الثالثة والنصف ،رحتُ أبحثُ عن ساعتي اليدوية فلم أعثرْ عليها إلا بعدَ جهدٍ وكانتْ متوقفة على الواحدة وخمس دقائق ويالحظّي التعيس حينما نظرتُ إلى ساعة الهاتف النقال فوجدتُها قد مُحيتْ من شاشته وحلت محلها خطوط لا معنى لها .
استيقظ تحت تأثير الألم يجتاح رأسه كالمعتاد ... تحرك مغمض العينين، وبحذر شديد جلس على حافة السرير، ووضع قرصي الأسبرين الفوار في كوب ماء ... دلق محتوى الكوب في جوفه، وأغمض عينيه في انتظار زوال الألم.
تعجب من نفسه ... متى كان قادرا على تمييز الروائح ؟ كيف إشتم عطرها في ارجاء المكان قبل أن تأتي ؟؟... منذ متى صار يفهم بالعطور الباريسية الفخمة و هو من تعود على إقتناء الرخيصة منهاو المعروضة بأسواق المدينة ...؟
دخلت السوق كعادتي.. أحب هذا الفضاء كثيرا، تجذبني الحلقة، كنت رفقة جدي لفقير ميمون صاحب عصا الخيزران ذاك القادم من قرن الزياش عند كرط ملوية.. كان الرجل ينفث الهواء بقوة في "الغايطة" .. هي المزمار، فتنتفخ أوداجه وتخال أن وجنتيه مطاطيتان.. الحلقة واسعة لا أحد يجرؤ على الاقتراب أكثر لأن صاحب الغايطة يلاعب "بوسكة"، لست أدري ما سر هذا الإسم لكنه مرادف لأفعى الكوبرا .. كنت معجبا برقصها .. تنتصب وارفة القامة سوداء .. المعركة بينها وبين صاحب الغايطة وكأن لا أثر لإنسي حولهما .. كنا صبية تبهرنا هذه الرقصة ونعجب أيما إعجاب بصاحب الغايطة، إنه "العيساوي" لا يهاب الأفاعي يأمرها فتنصاع .. يراقصها ثم يعيدها للصندوق ..
استيقظ الحنين فجأة كان الجو ماطرا ,كومة من الذكريات المتداخلة تتهاطل على مخيلتي , الليل يستمتع إلى تخبط الصور و المشاعر....اللوعة ، الحنين .. الحسرة ... الندم ... الانتظار وحده كان كفيلا كجواب على كل الترهات الفلسفية التي كانت تطبق على انفاسي حينها.