وَرَأْ العنب ـ نص : خيرالدين جمعة
ما أجمل أن تكون ظلاًّ شفافا كالملائكة !!
" طفلٌ بلا بيت رجلٌ بلا ذاكرة " عبارة أصبح أبي يردّدها كثيرا هذه الأيام و لكني لم أستطع فهمها...كانت تدور و تدور و تدور... في ذهني الصغير كحُلم نائمٍ في ليلة شتاء ، و تغمرني كما أمواج شاطئ قريتي حين كنت أركض على طول الساحل النديّ الصامت.....ظلّت تلك العبارة تطاردني بل تُغرقني ، حين كنتُ أجلس وحيدة في أقصى حافلة المدرسة ، لا أحد إلى جانبي ، غارقة في التردد، أمسك حقيبتي المدرسية الصغيرة و كأنني أبحث عن رفيقة ، منذ أسبوع انتقلنا للعيش في مدينة العين ، هي مدينة بلا شاطئ و لذلك بدتْ لي عجيبة مختلفة عن تلك التي كنت أعيش فيها...
كان حبا من نوع خاص، لايشبه القصص التي نسمعها و نقرأها عادة عن الحب، هنا لم يكن يوسف يعرف عن حبيبته سوى تلك الدقائق المعدودة، التي تمر فيها من أمامه كل يوم، وتلك الإبتسامة التي تعني له اللحظة الجميلة الوحيدة التي من أجلها يستمر في العيش...
جريا على العادة في قريته , لا يصح لابن الخامسة و العشرين أن يخطب أرملة أو عانسا . لا بد من بكر تصغره بسنوات و تليق بفورة شبابه !
لم يستطعْ أن ينطقَ ببنتِ شفة , فقط دموعٌ ساقطة من عينيهِ خلف نظارتهِ الشمسية كشفَتْ النقابَ عن حزنهِ و روتْ وجههُ الجاف من تراكمِ غبارَ الزمنِ عليه. قبل عدةِ سنواتٍ أصابهُ الجنودُ في حنجرتِهِ و من حينِهَا لم يعُدْ يجيدُ إلا لغةَ الصمت , جاؤوا بإبنه محمولاً في الكفنِ ليلقيَ عليهِ نظرةَ الوداع , نظرةٌ يتغذى عليها الحنينُ في دوامةِ الزمنِ اللاحق , تأملهُ قليلاً , كلّ شبرٍ من جسدهِ من أعضائِهِ كأنهُ غريبٌ يحاولُ أن يمسكَ بملامحِ ابنهِ من بينها , بحثَ عن تلك الندبةِ التي كانت تفضحُ تلك الشقاوة البريئة , بحثَ عنها في رأسهِ وجدَهَا مستبدلة بثقب رصاصة, ابتسمَ قليلاً و قالَ في نفسهِ: لقد أردت دائماً يا بنيّ أن تزيلَ تلك الندبة بعمليةٍ تجميلية , حسناً لا حاجة الآن لإزالتها , فتلك الرصاصةُ يا ولدي تكفلتْ بذلك و لكنها للأسفِ تركتْ ندبةً خالدةً في قلبي الحزين.
اشعل سيجارته، نظر الى الساعة المثبتة على الجدار أمامه، تحسس ردفيه المتيبسين من طول الجلوس، جال بعينه متفحصا كل تلك الفوضى التي احتلت غرفته.
تثاءب فاتحاً فمه محركاً لسانه بطريقة بهلوانية جعلتني أستجمع بصري كله لأرميه بعيداً عن لوحة ذكّرتني بتلك النبتة التي تلتهم كل شيء، وضع رجله اليمنى فوق شقيقتها وشدّ على فخذيه حتى ظننت أنه يكبت شيئاً ثائراً يخاف ان يسلبه أحد منه، وفي نفسي أخفي ذهولاً من أحمق يلوح بأجفانه كأنه يلوح بمنديل صبية تقف على قارعة طريق صحراوي.
كنت أوشك أن أصرخ طالبا ً من السائق ذي العنق الغليظة أن يرحمني من مجموعة من الأغاني الهابطة حول البرتقالة و المشمشة التي كان يبثها من مسجلة السيارة بصوت عال يكاد يصم آذان الركاب المحشورين في هذا الصندوق الضيق ذي العشر مقاعد. قلت بعصبية:
لا زالت أفكاري شاردة، تشتهي مطارحة البياض،رَتْق جيوب السكون..إنها لا زالت قيد الاعتقال ..لا تُبارح مقبرة النسيان،والاغتيال.
كان فنجان القهوة الصغير يتأرجح بين أصابعها الدقيقة، ذات الأظافر الطويلة المصبوغة بطلاء أحمر بهت لونه،و صوت خافت ينبعث من المذياع يردد تقاطيع أغنية انجليزية مبهمة، كانت عيناها المتلألئتان تحدقان في أقصى الركن الأيمن للغرفة، و الذكريات الحالمة تموج في خيالها و تحجب عن عينيها الرؤية.
أجملُ المعارف هي التي نسرقها في غفوة القدرْ !!
سابرٌ في غور الوحل، متلفعٌ برداء حمل، يرتجفُ في ليلةٍ تتجلى بقذاراتِ الأشباه، والرعدُ ينذر بتشريفات الوصول.