شلل نصفي ـ قصة : هادي معزوز
كان يقود السيارة على عجل من أمره كأنه يسابق الزمن كي يسافر عبره، الطريق ملتو لا ينتهي يفوق الأفعى في التوائها، قرص الشمس يسير نحو التواري كي ينير عالما آخر، هدوء كبير يلف المكان والزمان والذكريات البعيدة جدا... تناول سيجارته المفضلة، كان طعمها يبعث فيه حلاوة المنتشي من إنجاز حققه، وكم كان الأمر مثيرا عندما ضغط زر الموسيقى حيث أغنية "سلو قلبي" لأم كلثوم تسمو به في أقصى الأقاصي، هناك في الأفق حيث الحلم يحضن كل كبيرة وصغيرة، حيث الطموح سيد العالم، وحيث الامتنان لشيء مجهول لا يفوقه امتنان، فجأة رن هاتفه النقال الذي كان كافيا لانتباهه إلى السرعة التي يسير بها، نظر بعين واحدة نحو شاشته فكانت مفاجأته كبيرة حين لمح اسمها تطلبه بعد غياب دام زهاء سنتين وما ينيف...
تردد في الاستجابة لطلب مكالمتها، كان مستعدا لاستقبال أي شيء إلا هذا الذي يحصل معه الآن، كيف تذكرته وقد انقطعت أخبارها بالمرة، هكذا قال في نفسه، هام طويلا فلم يترك لنفسه مهلة التردد ثم اتخاذ قرار الإجابة من عدمه، غاص في شيء لا يدري طبيعته وجوهره، إلى أن غاب عنه صوت رنين التلفون، وكان هذا كافيا لتذكرها من جديد، مرت أمام مخيلته بوجهها الشاحب وابتسامتها الهادئة، ومرت معه لحظات لا حصر لها عندما كانا معا، توتر بعض الشيء لعودتها إلى سطح الذكريات، اختلطت عليه الأشكال والأشياء، فقرر التوقف...
قافلة عربات تجرها بغال صبورة، تخترق الشارع الطويل في اتجاه الجديدة ذهابا، ومراكش عند الرجوع. تغدو وأهل المدينة نيام، قاصدة حقول الشمندر المسقية، فتعود محملة بالأعشاب والحشائش مملوءة عن آخرها، وعلى قمة الحشائش تجلس "حادة بنت الكركاع"، بساقين على شكل زاوية منفرجة، تتأبط ابنها الصغير، موثوقا إلى ظهرها وقد أطبق بفمه على ثديها، يستجدي حليبا ودفئا. لا أحد يستطيع التعرف عليها وعلى أمثالها من نساء القافلة: فقد تلفّعن بسترة لا تُعفي من الوجه إلا العينين. أغلبهن مصحوبات بصغارهن من الأبناء أو الإخوة، يتخذن منهم دروعا بشرية إذا لزم الأمر، كأنْ يتدخل صاحب حقل مسقي لمنعهن من دخوله ، فتمسك حادة برجل ابنها، ورأسه مَهْوى الأرض، مهددة إياه بضربه على صخرة، فيبتعد مخافة تهمة باطلة، ثم تنفجر الأخريات ضاحكات مستبشرات، ساخرات من جبن مهين، معتدّات بفعل "حادة" البطولي في نظرهن .
(فصل من رواية باي العربان، تصدر قريبا عن دار زينب)
فوق بساط ذلك المكان ،جلس ويده اليمنى تداعب شعيرات رأسه ، كان كهلا باغتته أيام الخريف فنزعت من حياته شعاع البهجة.
عندما قررت – عن سبق إصرار وترصد – أن أختلي بك الصباح المحاط بالشتاء ، احترت ، أيَّ بداية مشروعة سيكون لها الحق في جمع شتاتي والأخذ بيدي كحارس شخصي , تحميني من الفواصل المنتشرة ومن علامات التعجب هنا وهناك ومن المفاجآت التي دائما أعرف أن اللغة تخبؤها لي بين كل سطر وسطر !
القلم منكفئ على نفسه يأبى أن يترنح ، أن يتقيأ! يكتب أي شيء ، القلب مهموم مكلوم ، الليل كما النهار ، والخميس كالجمعة ،حزن يعانق هما ، ولا شيء يحدث ، المعجزة التي ظللنا ننتظرها لم تقع بعد!
أرقها طول الأمد في متاهات العنوسة، كلما سلكت سبيل بحث عادت من حيث لا تستطيع إطلاق زغرودة فرح: تخطت سبعة أمواج على شاطئ سبعة أبحر كما أشارت عليها النساء اتقاء نحس ضبابي الشكوك، وعبرت على متن القوارب نهرا عريض الضفتين كي تلوذ ببركة "لالة عايشة البحرية"، وتمسحت بجذع نخلة ناءت جنباتها بحمل مرميات العوانس والعاقرات،دون أن يطرق بابها طارق أو يلتفت اليها عابر زواج...
عادة ما تولد الفكرة من توتر الذهن أمام المدهش وغيرالمعتاد . يكسر حدث ما ألفة رتيبة مع وقائع غير متجددة, فيوقد الذهن شعلة تسري في المعاجم : حروف تلتقي وكلمات تحن إلى استوائها على رصيف العبارة. يلتقط المؤلف مسودته ثم يشرع في تحديد معالم كذبته المقبلة. قيل أن الإبداع يتطلب المواجهة ومناداة كل لون باسمه, حتى وإن تأرجح قوس قزح فوق رأسك كحبل يشتهي الرقبة ! لكن مشكلة حُسني أنه من صنف الرخويات, يكره رائحة الدم ولا يطيق الكتابة بشفرة حلاقة. كان في مقتبل خربشاته حين استدعاه "الباشا" ليُحدثه عن افتتانه بالشباب الذين يُعبرون عن انتمائهم بنضج, ولا يتهيبون العصي و البنادق المحشوة ببارود تالف.لم يعلق بذاكرته غير دوي الصفعة الأولى و سيل اللعنات التي اقتلعت أجداده من رحاب الفردوس لتلقي بهم في جحيم دانتي.
استيقظتْ تُنافس شروق الشمس ،محمّلة بجملة من الترتيبات ،لاتعرف رأسها من ذيلها ؛حركاتها المتسارعة وأطيافها المتراقصة في كل ركن تدل على ذلك ،هيأت وجبة الإفطار من شاي وخبز حاف ،ثم زحفت إلى أشغال أخرى تنتظرها في طابور ممتد ،نادتني بصوت عنيف احتجاجا على تأخري في الصحو والتراخي في تدبير أمري ،قصدت المائدة المقعدة التي تخلت عن إحدى أرجلها ،وعوضتها أمي بصخرة حتى تصحح الخلل ولا يختلّ التوازن وتضيع الوجبة ،فتُحدِث ثقبا في جدول الميزانية ..نهضت أفرك عيني أنفض عنهما ترسبات النعاس العالقة ،أسرعت إلى مايسمى الحمام :خُم الدجاج إن شئت مُنزوٍ في ركن ما ،قبل أن تتصيدني عينا أمي وتحدُث كارثة،فتحت الصنبور وملأت آنية ماء تجنبا لاختراق الثوابت المتفق عليها والمعلقة على كل جبين من أفراد الأسرة، والتي أجبرنا عليها جلاد الزمن وعلينا ألا نسقط خيطا منها ؛فقائمة المنع تنص على عدم الغسل مع انفتاح الصنبور ،ليس محافظة على نعمة الله من خلقه ،وإنما تحسّبا للفاتورة التي قد تنزل كالصاعقة بحديدتها الثقيلة على قمة الرأس وتكسر الترتيب ..
( إلى أستاذي : صاحب الغليون الحائرْ و المعطف الطويلْ )