نصوص عبد الكريم ساورة : تماهي الذات بين الصحافة والإبداع ـ مالكة عسال
حين لامستُ نصوص المبدع الصحفي عبد الكريم ساورة السردية ، انسخلتْ من ذاكرتي تماما ، سمة ذاك الصحفي الذي كان ينهال على مقاماته بمهماز لغوي مباشر ، لتتمثل أمامي شخصية أخرى من صنف آخر ، مبدع رشَمَ جنس السرد القصصي ((ق.ق .ج)) باحترافية كبيرة ، تشهد عليها نصوصه وهي تؤدي اليمين بأمانة : كتجربة كبيرة تقلّدَ مشعلَها المبدع عبد الكريم ساورة في جانب من الحياة ، والعلاقة بالعالم بكل ماتعنيه المغامرة السردية من كلمة ، وذلك بتحويل كائناته والعلاقات في ما بينها وما تهْدر بها من تنافرات إلى صور بليغة في وصف راق ، انطلاقا من سعة الخيا ل والاحترافية في الصياغة والحنكة والدقة في اختيار التيمات ، والمراس في انتقاء الألفاظ المناسبة والجميلة ، حيث لملمَ الخلطة بجميع عناصرها و بهاراتها في عجنة فنية واحدة ، لينصهر بعضها ببعض وتتدفق شلالا سرديا فاتنا ، يغري بمتعته القارئ من أول لمسة بما يهُبّ عليه من نسائم الخيال الرحب ، وما يخلخل به مبدعنا من التفاصيل اليومية ، ومايَهَبُه للذات الكاتبة من بعد تصوري ، وهي تتفرس الأحقاب الزمانية بعلامات الوجود والكائنات على محك التساؤل والاستفسار ، من أجل الكشف والاستبصار ، وسبْر غور الأشياء ، فتفجرت النصوص محملة بالرمزي والإيحائي آهِليْن بتراسلات وجودية ، يشخص فيها مبدعنا المَراحل التي تمُر منها وضعية المرأة كإنسان ،وكيف كانت تعيش...
دلف إلى المحطة تغلفه مسحة من الكآبة، والرأس مثقلة بخواطر وتساؤلات تطيح به في دوامة الحيرة والقلق، وأحس بشعور غريب بدأ يتسلقه من الداخل..هو مزيج من الخوف والضجر، لا يدري على وجه الدقة..الشعور ذاته الذي بات لا يفارقه في هذه الأيام منذ أن عقد العزم على السفر لزيارة الطبيب..
في لحظة لا تتكرر إلا إذا بلغت الروح الحلقوم، خرج الشباب من كل فجاج الأرض الموجوعة عبر التاريخ يقلبون أوجاع زمنهم السياسي والاجتماعي باحثين عن أفق جديد في سماء ملبدة بالغيوم . طلع الشباب يصدح بصوته معلنا عن نفس جديد تصدره الأرض الصبورة الطاهرة ،أرض الأولياء والعفاريت، أرض الصلحاء والطغاة .في لحظة الحلم الفبرايري القصير ،فبراير أقصر شهور السنة الكبيسة (28يوما فقط) ،فبراير/ شباط ومعانيه الغابرة .
عدت للبيت في وقت متأخر بعض الشيء، وإن لم يكن هذا من عادتي، كنت منهكا بشكل لا يطاق جراء العمل المتواصل والذي يزرع فيّ شهوة النوم بعمق ، خاصة وأنه كان لي استعداد للقيام بذلك بطريقة سهلة وسريعة رغم خصامي والنوم منذ مدة طويلة جدا، لم أكن أريد القيام بأي شيء آخر سوى وضع رأسي على المخدة والغرق في عالم السبات المؤقت، لا اعلم لماذا تذكرت فيلم the machinist ربما كان أول ملاذ لي وأنا في داخل دائرة الحاجة للنوم، المهم وبينما كنت على وشك تحقيق هذه الرغبة التي لا يمكن أن تستوي وشيء آخر إبان هاته اللحظة، التقطت مسامعي أصواتا كنت قد اعتدت عليها كل ليلة، بل وتعايشت معها لدرجة أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتي اليومية في هذه الشقة .
عندما التقيت بها أو بالأحرى رأيتها، كنت انسانا منتهيا، اعتقد ان كل شيئ انتهى، كل ما آمنت به وكلما آمنا به، حتى تلك السخريات التي أطلقناها هزلا بالتنين، أصبحت بدون معنى، كان الوحش في أبهى قوته وقد ظهرت رؤوسه السبعة المسننة والشرر يتطاير منها، من سيجرؤ مجددا على ان يقول لا لهذا المسخ العجيب؟ قويا هائجا مترنحا، بعد ان أتبث الزمن صموده امام جميع العواصف التي خرج منها أقوى مما سبق، وخرج أعداؤه ضعفاء مشتتين مهلهلين، ان الوحش يطلب العذراء الوحيدة التي في قريتنا، وكما يحدث عندما يغادر كل شبان قريتنا مخابئهم واضعين سلاحهم، ستخرج العذراء الفريدة في كامل زينتها، ليس لتهب نفسها طائعة، بل لتقاتل حتى النهاية.
شرايينه تتمزق، وغضب يتملكه حتى كاد يُسقطه أرضاً، لولا استناده إلى الجدار، إلى أن استعاد توازنه مجدداً. طويلة هي اليوم، هذه المسافة التي تفصل باب المجمع السكني عن باب بيته.
-"مجرد هذيان..".
جالسا في الجهة المقابلة من المقهى،ظل يتأملها بشغف كبير راسما بذهنه أروع السيناريوهات البوليودية الملونة ، وكانت إيماءاتها شديدة الدقة و نظراتها غاية في الإتقان والروعة، تجرد من كل أبعاد الحياة من الزمان والمكان،سافر بعيدا بمخيلته الخصبة فأطلق العنان لفانتازياته البطولية،وتناسى كل كائن وجودي بجانبه،أبى إلا أن يكون البطل في قصته القصيرة مرددا ذلك الحوار الإفتراضي بينه وبين نفسه الصامتة.. إقترب منها النادل وطلبت منه بلغة الإشارات أن يجلب لها "براد أتاي" كانت صماء بكماء......
كان الأستاذ عبد البديع إذا ما جلسَ؛ أطرَفَ، بقميصِهِ الفضفاض، وبرأسِهِ المنفوش، ثمَّ انكفأ، يأخذُ الأنفاسَ، وينفثها، ومع كلَّ نَفَسٍ يسحبه؛ يمسحُ دمعه بكمّيه، ويُنقّلُ عينيه بين الوجوه، لا يبدي رضى عن حديثٍ، أو امتعاضا، فقط يسعلُ، ويدخن، وإن نصحه معلمٌ بتركِ التدخين؛ غادرَ صمته مثل ملسوعٍ، وكمستجيرٍ صاح:
عاش إلى عهد قريب كغجري ،يتوسد ديوان شعر و يدخن لفافاته المعقدة و أفكاره المفبركة مقتنعا بأن من أراد حياتا بلا هم أو فِكر فليجعل نديميه دوما لفافات و ديوان شعر ، عاش يذرف الأدب ألوانا و أصنافا و يستنشق للحياة حنينا مستعصيا إلى كل من غادروه إلى غير رجعة و رهنوا الأرض أو باعوها تحت قدميه.
من سخريات القلم أن تجيد الكتابة عن هموم الآخرين وما تنثره أيامهم في شارع الحظ السيء من بقايا أحلام وأماني ذابلة، لكن حين تغرف من قدر التعاسة مصابا أو نكبة أو جرعة هموم ،فإن هامش الإفصاح يضيق لاسيما إذا كنت ممن يأنفون الإقرار بأن فارس القلم قد يترجل، وأن شباك الهموم لا تميز الخبيث من الطيب !