ليلة قدر ـ قصة : ماهر طلبه
حين استمع إلى خطبة إمام المسجد؛ عادت له طفولته.. مدرس التربية الدينية.. التى مازالت علامات عصاه تلون روحه وذاكرته.. كثيرا ما حدثهم عن ليلة القدر، وكثيرا ما قال لهم انتظروها فى العشر الأخيرة من رمضان، وكثيرا ما ظل ساهرا..
لم يكن يومها قد فتح بعد صفحة الأحلام.. لكن هذا المدرس فتح له بابها.. فكان يتمنى أن يقابل ليلة القدر ليطلب من الله أن يختفى مدرسه من حياته، أو يُدخل آياته فى قلبه فلا ينساها ويهرب من مصير دائما ما يقابله فى كل حصص الدين... ذكره إمام الجامع بالحلقة المدورة فى السماء.. الضوء الذى ينير فجأة.. باب الأحلام الذى يُفتح فتتحقق كل الأمانى والامنيات......
وحيدا تجلس كعادتك، ترنو للسماء المتناثرة بها النجوم لآلئا في ظلام الوجود والعدم. وتارة ترنو للأفق البعيد بعينيك الذابلتين المرهقتين. فأحس وأنا أنظر إليك من شرفتي المقابلة أنك تلقي حبالك على المدى الذي تحيطه عيناك لتدنيه إليك أكثر، لترى ما هو بوضوح أكثر، لكن حبالك كانت تنزلق في كل مرة جارحة بكلاباتها نسيم الصيف الناعم الطري. فيداهمك إحساس بالفشل والإحباط، ودون شعور يتقدم رأسك للأمام، مع اتساع ملحوظ بالعينين، ليستشرف أبعد من المدى المحاط بإشعاعات عينيك، ولكن حين يرتد رأسك، وتستوي عيناك، كنت أعلم أن الفشل واليأس كانا جزءا مما علق بأهدابك وشعرك في رحلة العودة.
أنا – على الأغلب – كائنٌ ميْت، وموتي يتجدَّد بعللٍ تافهة؛ كأن لا يرد عامل النظافة الغاضب تحيَّتي لي، أو أن يقع زرُّ قميصي في فتحة تصريف الماء، أو حين ينتهي – بي – عدُّ حجر الرصيف إلى عدد لا يقبل القسمة على اثنين إلاَّ بباقٍ، وأحيانـًا حين أصادف تاءً مربوطةً عاريةً عن غمَّازتيها.
صموت ، لا يتكلم إلا لماما. بشوش، تحاياه ابتسامات، و ردوده حمدلات إن سئل عن أحواله.
حين نهض من فراشه – كعادته – قال جملته المعهودة في كل صباح: "كل شيء على ما يرام". فهو رجل عادي بسيط، يضع رأسه على الوسادة فينام، دون أي قلق أو اضطراب، ساعات نومه كافية، وساعات صحوه كافية أيضاً، وما بين النوم واليقظة وقت مستقطع للغرق في أحلام يقظة مترعة بالبساطة والسذاجة.
غادر رحبة المواشي ، وزع ما يملك من مال على جيوبه احتياطا و هو يدلف إلى بقية "الرحبات" بالسوق الأسبوعي الشهير .. لم تمض سوى هنيهات حتى اختلط بأرتال الناس و هم يدرعون الممرات الضيقة ذهابا أو إيابا و في جميع الاتجاهات ، يتأبطون قففهم و يسيرون كل يبحث عن ضالته بين الخيام الموزعة في صفوف خططت كما اتفق ، عقيرة الباعة ترتفع هنا و هناك :
ما أكتبه ليس إلا مجرد طيف لما أفكر فيه .
أحس بخدر شديد يسري في جسده، فانفلت العود الصغير من بين أنامله بعد أن حفر في الأرض شقا يتسع لدفن ضفدع. تحسس بيده خده المتورم غير الحليق، ثم انساب بكفه نحو الخد الآخر الحليق، ليلمس نعومته العذبة، قال لنفسه: في الوجه خدان، في الرأس وجه، في الخد الأيمن أورام تتكوم، ألام تتكدس، شعر لا يحلق، في الخد الأيسر تنساب نعومة ظل تداعبه نسيمات ورديه.
أخرجوا الطفل الذي بداخلكم حتى لا تسقط أسنانكم..
هذا الصباح استيقظت على غير العادة، بألام قوية في الرأس مع دوخة شديدة مفزعة، كانت غرفة نومي مظلمة، وعندما رفعت يدا ثقيلة لأزيح الغطاء علي لمست شيئا-ماهذا ؟ سألت نفسي باستغراب- هل هذا جسد؟ تحسست الجسم الغريب قربي، بدءا من الرأس حاولت البحث عن ملامح وجه ما . اما الشعر فكان قصيرا مربوطا بغير هدى، نزلت يدي بوجل الى الرقبة هذه سلسلة يجتمع طرفاها بخرص صغير. فركت عيني لارى ولكن بدون جدوى، لم أرد أن أستمر في مغامرة التحسس هاته، لكنني كنت مضطرا، من الظهر العريض وصولا الى ... لا يعقل هل هذا جسد امرأة؟ وماذا تفعل امرأة في غرفة نومي؟ لم تدخل امرأة غرفة نومي منذ اتفقنا انا و"العالية" على ان نكون لبعضنا البعض ودائما، و ماذا سيحصل لو علمت ''العالية'' ان بغرفة نومي امرأة أخرى سواها؟ ستقتلني.. أنا اتذكر كلامها يوم قالت لي بهدوء ونحن نجتمع حول طاولة في مقهى داخل هذا "الفيلاج" الصغير.
لوّح لي بيده ومضى في سبيله... غامت صورته خلف بلّور المترو الذي حملني وتركه... انتبهت بعد حين إلى أنّني قد أخطأت محطّتي... أربكني ما سمعت فغام بصري وتعطّلت مائزتي وأخذني الذهول بعيدا...