من مقبرة الهجرة... إلى مقبرة العودة ـ قصة : مأمون أحمد مصطفى
- أنت لا تأكل، ترافق الجوع، لون وجهك، جسدك الممصوص الناحل، له حق عليك، أنت لا تملك الحق في تدمير جسدك أو ذاتك، عليك أن تأكل، طعاماً جيداً، نافعاً، حتى تستقيم أمورك، وحتى يذهب لونك الشاحب، وحتى يستوي جسدك ويعود لوضعه السابق الطبيعي.
- أنا آكل ما يكفيني للحياة، لكني لا أشبع، بل أبقي إحساس الجوع ملازما لمعدتي ودماغي.
- عليك أن تشرب، الماء سر الحياة، سر الوجود، سر الخلق. الأعشاب جيدة ومفيدة، مغليها رائع، ينبه الإحساس، وينهض بالصحة، جسدك فيه جفاف شديد، وجهك ناشف كحبة خروع سقطت عن غصنها.
- أنا اشرب من الماء ما يبقيني حيا، ما يحافظ على بقاء روحي في الجسد، لكني لا ارتوي، ولا أود أن أشعر بالارتواء.
- ولماذا؟ ما الذي يدفعك لمثل هذا الأمر؟
وأخيرا عدت الى الدوار،، عدت مرغمة لانني أنهيت عامي الدراسي
في حياتي القادمة سأكون شجرة ..
هذه النَّفسُ! ضَعيفَةُ العريكَةِ، صعبَةُ المرَاسِ، تستطيبُ كلَّ طربٍ ماجنٍ، مائجٍ، وتخنعُ أمام كلِّ ضربات الرذيلة. آه يا نفسُ ما أَضْعَفَكِ!
الشمس خافتة اللهب، تنسحب ببطء خجول كسول من بين ثنايا الصباح، وكأنها لا تود جرحه أو إيذاءه، لتنطلق في الأفق مترنحة عارية، تتلوى بصورة مغرية على أسطح المنازل المرتفعة وعلى أرصفة الشوارع المفتوحة، وكان الغبار المتطاير بين رموشها المرسلة يظهر وكأنه حبات فضة تتلألأ وهي تتهادى متنقلة من رمش إلى آخر.
مسجى دونما يديه الرفيعتين الممتدتين على جانبيه. صامت بلا حراك؛ عدا زفير خافت بالكاد يلحظ ؛ يتضاءل له الصدر الضاوي البارزة أدق تفاصيله من تحت الغطاء ، عيناه الغائرتان بين محجريه النصف المغمضتين لا قرار لهما تسافران جيئة وذهابا كمكوك في أرجاء سقف الغرفة الموصدة عليه .
مساء الثاني والعشرين من أكتوبر 2013م، شمسٌ خريفيَّة تسطع على ميادين بوخاريست المزدحمة بالعائدين من أعمالهم، وزحام المبنى رقم (7) يدفعنا إلى الانتظار وقوفًا على السلَّم الدائري الضيِّق الذي يؤدي إلى العيادة، كانت عيادة العيون تغصُّ بمراجعين أغلبهم من كبار السنِّ. في منتصف السلِّم وعلى عتبتين متجاورتين اجتمعنا: سيِّدة رومانيَّة تجاوزت الخمسين، وأنا، لا أتذكَّر السؤال المفتاح الذي طرحتـُه لكنـَّه كشأن المفاتيح الصالحة قادني إلى حيث ينبغي، ردَّت بإنجليزيَّة متقنة، وعرفت – لاحقًا – أنـَّها تدرِّس اللغة الإنجليزيَّة في إحدى ضواحي بوخاريست، كانت العيادة ضيَّقة وتشغل مبنى قديمًا في وسط المدينة، وحين قالت – بعد حديث قصير عن الازدحام – : "إنَّ على الطبيب أن يبحث عن عيادة أخرى كي تستوعب هذا العدد الهائل من المراجعين" قلت: إنَّ الأمر سيكون محزنـًا؛ لأنَّ المبنى جميل، وأنا أحبُّ أن أتأمل هذه المباني العريقة التي تملأ وسط المدينة.
اليوم الأول...
حين شعرت أن النهاية على الأبواب، قررت أن أترك للتاريخ بعض تفاصيل حياتى.. حتى لا تضيع كما ضاع الكثير من أحداث زماننا الهامة.
ذرعه القيء ، فاستجمع ما بقي من قوته الخائرة، وقصد الحمام. مشى على رؤوس أصابع رجليه وهو يضع جماع يده على فمه حتى لا يُسمع، ولا ينسكب شيء من عصارة أمعائه على الارض ، كم استطال المسافة بين غرفة نومه والحمام ! رغم، أن بيته في غاية الصغر: صالة وغرفتان و ...
استيقظت اليوم باكرًا.