ولادة ـ قصة : مامون احمد مصطفى
الظلام يكلل كل شيء، لو مددت إصبعك أمام عينيك، فانك لن تراه، والجسد الملوح بالسياط والعصي والتعب منتصبا كشجرة حور عملاقة.
التعذيب طوال الساعات الماضية لم ينل منه شيئا، والوقوف الإجباري بسبب الربط الخلفي في ماسورة مثبتة بالحائط، الجلوس الإجباري على كرسي أطفال من الخشب مع التقييد التام لليدين والقدمين معا، اجبر الجسد ان يكون مقوسا تقوسا يشبه الانحناء بالرأس نحو القدمين، كل هذا لم يزحزح الرجل عن موقفه قيد أنملة.
عادت الذاكرة للعمل من جديد، هكذا يحصل دائما، حين لا تجد ما تفعله، فانك لا تستطيع ان تمنع عقلك من الانفلات على هواه ليعمل ما يشاء، ويصور ما يشاء. وفي عمله مع لحظات الهدوء القاتل، ولحظات التوقع القادمة من الظلام، تبدأ روعة العقل في الظهور لتطفو فوق كل الحدود والجدران، ترسم عبقرية فذة في صنع شيء ما للجسد المقهور والمغلول، هذا العقل هو الانتصار الأبدي على كل المعاقل العاتية، وسطوة القهر الطاغية. لا توقفه الجدران ولا تسيطر عليه القيود. هو حر داخل الزنزانة، وتحت السياط، حر برغم القيود الضارية التي تغل اليدين والقدمين في آن.
تنهدتُ بضيق بعد أن قضيتُ نهارا شاقا ومتعبا في تمثيل دور الأبله للأطفال، استدرتُ نحو النافذة الصغيرة المطلة على الحديقة الخلفية للبيت والجدار الإسمنتي الذي يحيط بها، تذكرتُ الغارة الكبرى والأقدام الهمجية التي وطئت بيوت أهلي بحثا عن الذهب الأسود والأصفر والرصاص الذي فَرَّقَ شمل أحبابي من على الأغصان كتساقط النبق الهشيش إثر حجارة صبي مشاغب يرمى الشجرة لان قامته الصغيرة لم تبلغ بعد حد الثمار الناضجة.
حلم الليلة الماضية حلما جميلا ، رأى فيه كل هوامش أفكاره تحتل البؤر و رأى كل ما كان يغمه قد صار على ما يرام ..... باختصار وجد أن حياته قد صارت مكانا مثيرا و جميلا و يصلح فعلا للعيش ،عندما استيقظ قرر أن يبقي نفسه داخل الحلم ، لذلك غادر السرير بعينين مغمضتين . وقف أمام المرآة ،غسل ذاكرته من كل ما فات و نسق ملامحه كما اشتهى ثم تناول فطوره بتأن و لأول مرة استساغ مذاق الخبز الجاف و الجرعات المتتالية من كأس الشاي المعتادة .
تتسارع الأشياء، تكتمل، تتوالج الظلمات مع انبثاقات النهار، تتوثب الرؤى لتنازع المعلوم مرورا لطيفا بين خفقات المجهول، تندفع الطاقة الكامنة من روح تشعر بتحدب اللحيظات القادمة، تتدلى أيام العمر أمام العينين، كعناقيد من وهج متفجر، ترسل بريقا يمتزج فيه الأصفر مع لون الغروب، تتلاقح الألوان وتتزواج، تندغم وتتوحد، يصبح الكون امتدادا رحبا في النفس المحملة بروائح الرحيل والمغادرة.
نزعت كلثوم لجام الحصان العجوز،بعدما حررته من العربة المرهقة أعمدتها الحديدية أكثر من حمولتها المتواضعة،دفعته برفق إلى زريبة ضيقة وسط بقايا القش ولبنات من التراب متناثرة هنا وهناك،صهيل متعب للحصان أفزع بضع دجاجات اتخذت من ركام أكياس الشعير مستقرا لها للمبيت،فقفزت في ضجة وتناثر ريشها في الهواء،ربطت الحصان بعقال مثبت بوتد على الأرض ثم وضعت أمامه علفا في صحن مصنوع من قاع برميل حديدي،أضافت إلى العلف المكون من عشب المراعي حفنتي شعير،وطفقت تنزل الأكياس من العربة ورائحة العطارة تنبعث منها،تملكتها رغبة متعثرة وجامحة في العطس،تجاهد نفسها أن تعطس بلا ضجيج، لكنها تعطس بقوة، فيتناثر مخاط أنفها على نحرها، تمسح أنفها بالكم الأيمن لقميصها،تعرج على البوابة الخشبية المتهالكة الكبيرة للبيت، لتتأكد من إحكام إغلاقها بمزلاج خشبي،الصوت الخشن لزوج أمها العطار ما زال يتردد صداه في أعماقها وهي تستحضره دوما في هذه اللحظة من الليل ،يحذرها كل ليلة قبل أن يأوي إلى فراشه" اغلقي دائما الباب جيدا....بيتنا معزول عن الدوار، و لصوص الليل لا ندري متى يحضرون".
ثمَّة لحظات يُرِيد المرء أن يوتر عقله وقواه إلى أقصى حدود الألم؛ حتى تنبجس المعرفة كشرارة، فإذا بطُيوف من النُّبوءَة تَجتاح النفسَ المرتعشة، النفس القلقة، لتنبِّئها بالمصير الذي ينتظرها، إنَّ كياننا كله - وقد جرفه الظمأ إلى الحياة بأيِّ ثمن - يستَسلِم عندئذٍ للأمل، مهما يكن هذا الأمل أعمى، ومهما يكن عنيفًا، ويَنأَى عن المستقبل بكلِّ ما فيه من مجهول وسر، يُنادِيه أن يأتي إن صَحَّ التعبير، يُنادِيه ولو كان مشحونًا بالعَواصِف والزوابع، حسبه منه أنَّه الحياة.
الثامنة صباحًا، في أقصى الشمال الأوروبي، أفَقتُ كعادتي، تسلَّلت نحو الصالة لأُعانِق فنجان الشاي الصباحي، ولأحرق ثلاث دخائن، دخلت الحمام، غرقت تحت مياه حارَّة، يَتصاعَد البخار منها ليهرب من فتحة صغيرة، خرجتُ وكالعادة كانت القهوة التي أعدَّتها زوجتي تقتَحِم خلايا دماغي بقوَّة، فللقهوة مكانةٌ في قلبي لا يعرفها إلا المقرَّبون منِّي، أحرقت ثلاث دخائن أخرى، ارتديت ملابسي، وخرجت.
تَجمّعَ الناسُ وقدْ أخذَهمُ الذهولُ حولَ حمار ٍفي ساحةٍ يرتادها الناسُ عادةً، الناسُ المحترمون، ظلّ الحمارُ ينهقُ منذ صياحِ الديكِ الذي أخرسَهُ نهيقُ الحمارِ وهو يقطع عليه صَلاتَهُ الصباحية،سكتَ الديكُ وبقيَ الحمارُ ينهقُ، وكذلك أنهتِ الكلابُ نباحَها وهي تُنصِتُ إلى نهيقٍ متصلٍ على غيرِ العادةِ ، وحدَها الأحصِنةُ كانت صامتةً فهي لا تصهل أبداً عندما تنهقُ الحميرُ استيقظ َالناسُ وامتلأتِ الشوارعُ والطرقاتُ بهم ولازالَ الحِمارُ ينهقُ دونَ أن يكلّ ، انهالَ عليهِ رجالُ الشَرَطة بالعصيّ و لازال ينهقُ ولكنْ هذه المرة بطريقةٍ خيّلَ للناس أنها تشبه الضحكَ من عصي الشرطة مكشرا عن أسنانهِ البيض وهم يحاولون سحبَه من أذنيه الطويلتين وجرّهُ بالحبال بيدَ أنهُ أحرنَ ولم يطاوعْهم وهو يصمّ آذانَ المارة بنهيقهِ .
يقال أن أطول اللحظات هي تلك التي نقضيها لوحدنا عند قطع شارع مظلم في وقت متأخر ، تتقاطع فيها مشاعر الخوف و الوحدة و الكآبة في آن واحد ، صوت مواء القطط .. صرير الحشرات و الكثير من الصمت ، و أي محاولة لتشتيت ذلك الصمت تؤول للفشل دائما لأن ما يرعبنا مصدره دواخلنا لا غير .
قبل أن أخلد إلى النوم، كان المذيع يعلن بنبرة صارمة محذرة :