حذاء جدي صالح ـ قصة : ياسين كمالي
عندما امتطيت السيارة ، ودعتني أمي بالزغاريد و لم تنس أن توصيني بالحذاء خيرا ، بينما بدا الحزن على وجوه شقيقاتي ، و لم أدر في تلك اللحظة هل أبكي أم أشكر جدي على كل حال .. نفورا من ضجيج المحرك توغلت في مستنقع اللحظات المنتحرة ، كانت الصور تتقافز في ذهني لتوقظ الثعابين الراقدة .
يمكنني الجزم بأن حياتي ظلت تسير بشكل هادئ إلى أن بلغت سن الصيام ، ثم دنا آدم من الشجرة و هوى ابن يعقوب في ظلمات الجب. غدوت ملزما بانتعال حذاء جدي بما أني الذكر الوحيد في سلالته ، هكذا شاءت أمي تنفيذا لوصيته و تواطؤا مع القدر و النرد . حين عاد جدي من الحج قبل أن أولد بزمن طويل ، لم يجلب معه شيئا سوى حذاء مصنوع من جلد بعير حجازي ، و المدهش أنه مصبوغ بخليط عجيب من القطران و شحم الإبل ، و لعل هذا هو سر لونه الداكن الذي لا يتأثر بالزمن ، إنه يشبه إلى حد ما بشكله الحربي تلك الأحذية التي ينتعلها رعاة البقر . كانت أمي تخبئه في غرفة جدي المقفلة ، و لا ينفتح الباب إلا ليلة الجمعة . يحضر شيخ مجذوب يحمل مبخرة ، يظل يمررها فوق الحذاء و هو ينشد بصوت رتيب : « اللهم صل على المصطفى / حبيبنا محمد عليه السلام » ، و يأتي فقيه الجامع رفقة جوقة من المقرئين ، ينخرطون في تلاوة جماعية لسورة الكهف ، بأصوات متمردة على كل المقامات.
...
تجمهروا على بعد يسير من بوابة السوق، يتابعون ألسنة اللهيب، تلتهم أكداس التبن وجنبات الشاحنة. بينما فر السائق عباس ومساعده بجلديهما مبتعدين، وسط دخان كثيف وشرر متطاير... وبين سائل ومجيب، تبين عباس أن مصدر الشرارة الأولى للحريق لم يكن سوى نزوة مراهقين يتلذذون برؤية النار في عاشوراء...
ينعطف الباص يمينًا، يخرج عن مساره الإسفلتي إلى أقصى ما يمكن ليستقر فوق الرمال الصلبة على جانب الطريق بالقرب من مدينة عسقلان جنوب فلسطين المحتلة، لحدوث عطل فيه أثناء عودته من القدس، متوجهًا إلى قطاع غزة، ويسمح للركاب بالخروج والجلوس حوله إلى حين حضور فريق الصيانة.
الموت لا معنى له. الحياة لا معنى لها. عندما تولد يكون ذلك خارج إرادتك. عندما تموت يكون ذلك خارج إرادتك. مابين الولادة والموت يوجد شيء ما غير مفهوم. لا يمكن فهمه. يُسمونها الحياة، إلا أن لا أحد يعلم ما الغرض الحقيقي منها.
دو .. صو .. فا .
يعلو مرتفعا كصقر يراوغ الريح، لينحدر متكسرا كجبل جليد، منحنيا كجدول ماء، هادرا كالهزيم خافتا كهمس الزهور، حانيا كناي يُغازل العمر، ثائرا كأزيز الرصاص، تخال الكلمات تصهل في حنجرته.
على الجانب الأيسر من اللوحة التي يغطيها السواد .. وقف "حنظلة" ويداه معقوفتان وراء ظهره ينظر إلى الأفق المظلم الممتد أمامه بلا حدود..
لو كان القمر على علمٍ بما يخبّؤه له القدر، ما برح قمة الجبل الأبيض، وما فاته مولد أجمل كائن على وجه الأرض.......
لم يكن يعرف أين يمضي، فهو يسير دون وجهة، الهموم تلاحقه، والمآسي تداهمه، الأفكار تتضارب في رأسه، والأحاسيس تتناقض. مشاعره تترجرج، تتزحزح من مجهول إلى مجهول، هو يشعر بالغضب، بالنقمة، بالصغر، بالإهانة، بالكآبة، أحس بأنه شارف على الانهيار، بينه وبين الانهيار حافة بسيطة غير متماسكة تستعد هي الأخرى للسقوط نحو الهاوية.
انها الغرفة 519 في فندق "لاله" الدولي، ذات النافذة المطلة على اشجار حديقة "لاله" العالية، تدخل منها رائحة أديم الأرض، عبر ريح ربيعية محملة بقطرات مطر، تتكثف مع رائحة القهوة اللبنانية التركية التي أعددتها خصيصًا لجلسة مع سماء طهران الماطرة. سماء تلك المدينة التي أهدتني مطرًا قبل رحيلي عنها.
جاب أزقة الحي العشوائي ذات ربيع، خاطها ذهابا وجيئة، تتفرسه الوجوه الواجمة لا يلقي لها بالا: كان غريب الأطوار في كل شيء، على الأقل بالنسبة للأهالي المعتادين على إلقاء الكلام على عواهنه لكل جار أو مارّ... بات حديث النزالات الهامشية للاعبي الورق وغيره، حتى إنه أصبح مثار شك وريبة، سيما وقد عمد رفقة مجهولين إلى بناء حوش في الظلام، اتخذه ملاذا وسكنا، بل مخبأ يقيه شر النظرات والألسنة.