anfasee19111عندما امتطيت السيارة ، ودعتني أمي بالزغاريد و لم تنس أن توصيني بالحذاء خيرا ، بينما بدا الحزن على وجوه شقيقاتي ، و لم أدر في تلك اللحظة هل أبكي أم أشكر جدي على كل حال ..  نفورا من ضجيج المحرك توغلت في مستنقع اللحظات المنتحرة ، كانت الصور تتقافز في ذهني لتوقظ الثعابين الراقدة .
    يمكنني الجزم بأن حياتي ظلت تسير بشكل هادئ إلى أن بلغت سن الصيام ، ثم دنا آدم من الشجرة و هوى ابن يعقوب في ظلمات الجب. غدوت ملزما بانتعال حذاء جدي بما أني الذكر الوحيد في سلالته ، هكذا شاءت أمي تنفيذا لوصيته و تواطؤا مع القدر و النرد . حين عاد جدي من الحج قبل أن أولد بزمن طويل ،  لم يجلب معه شيئا سوى حذاء مصنوع من جلد بعير حجازي ، و المدهش أنه مصبوغ بخليط عجيب من القطران و شحم الإبل ، و لعل هذا هو  سر لونه الداكن الذي لا يتأثر بالزمن ، إنه يشبه إلى حد ما بشكله الحربي تلك الأحذية التي ينتعلها رعاة البقر . كانت أمي تخبئه في غرفة جدي المقفلة ، و لا ينفتح الباب إلا ليلة الجمعة . يحضر شيخ مجذوب يحمل مبخرة ، يظل يمررها فوق الحذاء و هو ينشد بصوت رتيب : « اللهم صل على المصطفى / حبيبنا محمد عليه السلام » ، و يأتي فقيه الجامع رفقة جوقة من المقرئين ، ينخرطون في تلاوة جماعية لسورة الكهف ، بأصوات متمردة على كل المقامات.
 ...

Anfasse12116تجمهروا على بعد يسير من بوابة السوق، يتابعون ألسنة اللهيب، تلتهم أكداس التبن وجنبات الشاحنة. بينما  فر السائق عباس ومساعده بجلديهما مبتعدين، وسط دخان كثيف وشرر متطاير... وبين سائل ومجيب، تبين عباس أن مصدر الشرارة الأولى للحريق لم يكن سوى نزوة مراهقين يتلذذون برؤية النار في عاشوراء...
      جابت دماغه المشدوه حزمة العادات والتقاليد المرتبطة بعاشوراء، مرت  بسرعة خاطفة مثل وصلات إشهار: أدخنة المفرقعات وأشكالها، ألوان التعاريج وزخارفها، أهازيج البنات كل ليلة من ليالي عاشوراء، عشرات الأصناف من اللعب البلاستيكية المجلوبة للصغار المصرين على التجول والتسول البريء وهم يسألون الكبار حق "بابا عيشور" ، مياه الصباح المبروكة وزخاتها ، أصناف الفواكه الجافة ، طقوس البنات في تقمص أدوار النساء في الولائم، تأكيد النساء على جلب العطور والبخور، إصرارهن على إقامة " الشعالة" قبيل غروب اليوم العاشر من محرم، احتفاظهن بواحدة من قديد عيد الأضحى وشواؤها في نار الشعالة ثم إطعامها المتحلقين حول النار، خروجهن إلى المقابر صبيحة اليوم الموالي للترحم على موتاهم وتوزيع ما تيسر من خبز وتين مجفف وتمور......

Anfasse12112ينعطف الباص يمينًا، يخرج عن مساره الإسفلتي إلى أقصى ما يمكن ليستقر فوق الرمال الصلبة على جانب الطريق بالقرب من مدينة عسقلان جنوب فلسطين المحتلة، لحدوث عطل فيه أثناء عودته من القدس، متوجهًا إلى قطاع غزة، ويسمح للركاب بالخروج والجلوس حوله إلى حين حضور فريق الصيانة.

يتكئ الحاج الستيني أبو صالح بجوار سياج يدور قريبًا من المدخل الشرقي لقريته التي هُجر منها، وهو دون العاشرة من العمر، تنقر رأسه أفكار مجنونة يدفعها بقدميه، فمجازفة كهذه قد تكلفه حياته إذا شاهده أحد قطعان المستوطنين، ولن يكفيه عمره خلف قضبان السجن لو صادفته قوة من الجيش الإسرائيلي، وقد كان كل ما يحلم به عند مغادرته قطاع غزة صلاة ركعتين في المسجد الأقصى لا الموت خلف قضبان السجن.

Anfasse12111الموت لا معنى له. الحياة لا معنى لها. عندما تولد يكون ذلك خارج إرادتك. عندما تموت يكون ذلك خارج إرادتك. مابين الولادة والموت يوجد شيء ما غير مفهوم. لا يمكن فهمه. يُسمونها الحياة، إلا أن لا أحد يعلم ما الغرض الحقيقي منها.
"ما الغرض من هذا؟" سألها ذات ليلة.
لم تجبه. لا تعرف بما يمكنها الرد. كان غريباً. ظنت أنه كان مثلها. تجاوز هذا السؤال منذ مدة طويلة. لطالما أحبت الغرباء، صديقاتها سخرن منها بسبب ذلك، لكنها ظلت تحب الغرباء، كانوا يجعلونها تشعر أنها ليست وحيدة.
هو عشيقها منذ سنتين. أخبرها أنه قاتل في الحرب. أنه قتل. بكى على صدرها. بكت هي أيضاً، ليس لسبب إلا أن مظهره ذكرها بأخيها الصغير الذي مات في حادث سيارة منذ أكثر من عشرة سنوات. بقي على سرير المستشفى لأيام، رأته مرتين. كان ميتاً، أخبرهم الأطباء بذلك لكن أمها لم تصدق.

anfasse06115دو .. صو .. فا .
أن تعيش متنقلا بين الكلمات مختبرا تباثها و هي تغير أرديتها حسب السياقات فهذا معنى آخر للتشظي الحقيقي.
قافزا إلى الخلف مبتعدا لأسطر عن الورقة خيارك الوحيد.. عندما يلسعك بياضها.
تعلن في سرك ،أنك حزمة انتظارات
و أحلام لا تعرف التحقق و لا التوقف
و أنك أرض في الستين من عجزها، لكنها لازالت تجهل كيف تتعاقب الفصول ..
وحدها الكلمات تمنح هذا الاستثناء لمن يجيد افتراشها على أرضية قاحلة ..

anfasse06113   يعلو مرتفعا كصقر يراوغ الريح، لينحدر متكسرا كجبل جليد، منحنيا كجدول ماء، هادرا كالهزيم خافتا كهمس الزهور، حانيا كناي يُغازل العمر، ثائرا كأزيز الرصاص، تخال الكلمات تصهل في حنجرته.
اشرأبت مشدوهة منبهرة بذاك الانسجام بينهما، محتارة أيهما ينفخ الروح في الآخر! ولكنها استسلمت في رضى لأنغام البحر، ولم تأبه أين سترسو سفينتها.
     كان واقفا كنخلة تتحدى في شموخها السماء، أراد أن يُثبت لنفسه قبل الآخرين أن الكلمات التي اختارته ليصبح صوتها لم تخطئ، وأنه شاعر -وإن كان في أمسيته الأولى- جدير بترويض الحروف، وزرعها حلما شهيا في المُهج.
   لم تره قبلا، ولم يرها بعد، فالجميع أمام ناظريه غيمات نزلت لترتاح من سفرها وستكمل الطريق.
~~~~~~~~~~~~

HANDALAعلى الجانب الأيسر من اللوحة التي يغطيها السواد .. وقف "حنظلة" ويداه معقوفتان وراء ظهره ينظر إلى الأفق المظلم الممتد أمامه بلا حدود..
سواد كليل لا قمر في سمائه.. أشباح تجوس خلال الحدود تحمل حقائب أتعبها الترحال تضم بؤس المتاع .. حيرة على شواطئ دول تشتهيها الموت..
أوطان بألوان باهتة تمتد على كف عفريت بحدودٍ كأنها الهاوية..
من هذا الذي على رمل الغربة مرَّغ خده الطري ؟
من ذاك الذي بلون الموت.. والهجرة والمنافي والشتات.. يحمل وطنه في قلبه ويسافر ؟

anfasse06111لو كان القمر على علمٍ بما يخبّؤه له القدر، ما برح قمة الجبل الأبيض، وما فاته مولد أجمل كائن على وجه الأرض.......
أدبر آخر ليلٍ شتوي، وتنفّس الصباح إيذاناً بميلاد شمس أول يوم ربيعي. فتحت الشمس عينيها على حلةٍ بيضاء تكسو قمّة الجبل الشامخ، الذي استقبلها بحفاوة، استبدلت على إثر الشمس المشرقة حزناً في تلك اللحظة البارقة، التي ذاب فيها الثلج، وأخذ ما ذاب منه ينحدر من سفح الجبل نحو الأسفل، لتتطلع له بنظراتٍ جد آسفة وخجولة.
فهي لم تجيء لهذا المكان لتسلبه ثوبه الأبيض الناصع الجميل، لأن ذلك خارج عن إرادتها، فهي غير قادرةً على أن تمنع دفء نورها الذي سيهب الحياة إلى البسيطة، بعد سبات طويل. ومع ذلك طمأنته ووعدته، بأنّها ستهبه الاخضرار، ووهبته. وستجعل منه قبلة الباحثين عن الجمال الرباني، وجعلته.

anfasse30106لم يكن يعرف أين يمضي، فهو يسير دون وجهة، الهموم تلاحقه، والمآسي تداهمه، الأفكار تتضارب في رأسه، والأحاسيس تتناقض. مشاعره تترجرج، تتزحزح من مجهول إلى مجهول، هو يشعر بالغضب، بالنقمة، بالصغر، بالإهانة، بالكآبة، أحس بأنه شارف على الانهيار، بينه وبين الانهيار حافة بسيطة غير متماسكة تستعد هي الأخرى للسقوط نحو الهاوية.
حاول جاهداً وبكل ما يملك، بل وبكل ما تبقى في ذاته أن يرمم انفعالاته، أن يلصقها، لكنه كان يحاول مناقضا لحقيقته، فأدرك مرة واحدة أنه لا مخرج له مما هو فيه.
صدمته المفاجأة، حدق بكل قوته، ليس معقولاً، بل وغير مستوعب ما رآه، ففي اللحظة التي كان يفكر فيها بترميم ما يمكن ترميمه وجد نفسه في مواجهة الموت، دخل أرضه دون أن يعرف ذلك، شواهد القبور متراصة، والنباتات الشائكة، البصلون، العشب الملوح من شدة الحرارة، والغبار الذي تحمله نسمات هواء عابرة يقفز نحو العيون فيلتصق بالوجه بفعل تمازجه مع العرق، التشققات المفسخة للقبور بأشكال عشوائية تدفع رعشات خفيفة تحت الجلد كدفق تيار كهربائي يعذب ويضني، لكنه لا يقتل، انتفض مع تزايد قوة الرعشة انتفاضة سريعة في ذات اللحظة التي كان يتحسس فيها جلده بكلتا يديه، قويت الرعشة في جسده، فأحس بان مخلوقا غريبا يجول تحت الجلد بسرعة عشوائية خارجة عن السيطرة، بدأ يحك جسده بقوة وتلاحق، وينتقل من عضو لعضو، لكنه بعد...

anfasse30105انها الغرفة 519 في فندق "لاله" الدولي، ذات النافذة المطلة على اشجار حديقة "لاله" العالية، تدخل منها رائحة أديم الأرض، عبر ريح ربيعية محملة بقطرات مطر، تتكثف مع رائحة القهوة اللبنانية التركية التي أعددتها خصيصًا لجلسة مع سماء طهران الماطرة. سماء تلك المدينة التي أهدتني مطرًا قبل رحيلي عنها.
جلست على الكنبة ويد النسمات الباردة تخصل شعري، ارتشف قهوتي العذراء، عذراء الصباح الصامت الا من صوت الغربان القادم من الحديقة. الحديقة التي أدمنتها شهرًا كاملًا وصارت لي فيها ذكريات. قررت أن أكتب إحداها في ذلك الصباح، وأشارك أوراقي قهوة، فقهوة أوراقي الحبر، وقهوة روحي الكتابة في صباح يوم ماطر.
كانت آخر أيام شتاء طهران العام 2014. خرجت الى حديقة "لاله" ظهرًا، في محاولة لتهدئة نهمٍ للجلوس في الطبيعة، وككل الصحافيين لم أكن لأخرج من دون كاميرا لتوثيق كل اللحظات، اذ يحدث للصحافي أن يوثّق ذكرياته أيضًا.
عند مدخل الحديقة طالعتني مجموعة من القطط، كانت عشرة أو أكثر، متحلقة حول امرأة بدت متسولة. كانت ترمي لهم قطع المرتديلا؛ الى جنبها البعيد بقايا وجبة، أولمت عليها الغربان.

anfasse30104جاب أزقة الحي العشوائي ذات ربيع، خاطها ذهابا وجيئة، تتفرسه الوجوه الواجمة لا يلقي لها بالا: كان غريب الأطوار في كل شيء، على الأقل بالنسبة للأهالي المعتادين على إلقاء الكلام على عواهنه لكل جار أو مارّ... بات حديث النزالات الهامشية للاعبي الورق وغيره، حتى إنه أصبح مثار شك وريبة، سيما وقد عمد رفقة مجهولين إلى بناء حوش في الظلام، اتخذه ملاذا وسكنا، بل مخبأ يقيه شر النظرات والألسنة.
    وسرعان ما أغلق باب بيته المطلي بالجير الأحمر، واختفى عن الأنظار أياما معدودات، فتناسلت خلفه عشرات الأسئلة، تستنطق تخميناتهم حول كيفية حصوله على بقعة مهجورة لصاحبها  المهاجر، واستغلاله فرصة الربيع العربي للبناء دون ترخيص، وابتعاده المفاجئ عن الحي... لكنهم في نهاية كل حديث، كانوا يثنون على شخصه الهادئ الكتوم... يذكرونه كلما مروا  أمام بيته، فيتداولون سيرته باسم الغريب. وبعد شهور من الغياب زعم أحدهم أنه رآه ذات مساء في أحد الأحياء البعيدة يوزع منشورات تدعو الناس للتصويت على الدستور الجديد......

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية