خطأ مطبعي ـ قصة : محمد الساهل
جلس في ركن قصي في المقهى لكي لا تدركه عيون العواذل الذين يتناسلون هذه الأيام مثل إناث القطط، فتح كتابا كان يتأبطه وغرس بصره بين دفتيه، وكان لا يحيد ببصره عن هذا الكتاب إلا ليشعل سيجارة من بقايا أخرى أو ليرتشف من فنجان القهوة رشفة ذات طنين مثل صرير باب قديم، كان يدون في مذكرته جملتين جناهما بعناية الريفيات من الكتاب حين لمح في الطاولة التي تقابله أنثى ترتدي معطفا شتويا أحمرا وتوشح جيدها الطويل بشال يتناغم مع أسود حذائها ذي الكعب العالي، وكانت رواية " انا كارنينا" لتولستوي تنام على ظهر مائدتها بغنج الأميرات، فرك عينيه اللتين غزا السواد أرصفتهما، واسترق النظر إليها لكي يتيقن من أن هذه الأنثى ليست شخصية من رواية نسي عنوانها.
إهداء إلى صديقي الأديب المهدي نقوس
الغصن الأول:
سألني: قصيرٌ كشربة شهدٍ .. ثقيلٌ، مديدٌ بلا منتهى؟
كشف سر ألوان الدنيا السبعة ،ثبت مجدافيه في الماء ، عادت السكينة لتخيم على المركب ، تمدّد فوق الغدير الخالي لما عاد إلى البرّ ثانية ، كانت كائنات الأمكنة ترتشف لها من الندى البليل ، حتى خال المساء بجمال امرأة اختلط على محياها الحزن بالجمـال ، نفَسا متجددا كانت ،بل كزرقة السماوات وقت الضحى ،أو كسمفونية هائمة في الزمن الزئبقي، تتراقص الأجسام وتتماوج برقة ورشاقة على موسيقـاها .
خططت زوجتي "كلارا" لرحلة تخييم بمناسبة عيد ميلاد الثلاثين، لقد كانت تعرف أني أحب التخييم، لكنها لم تتحمس للفكرة، مع أنها أحبتها إلا أنها لم تتشوق للتطبيق الفعلي لها. تحب زوجتي "كلارا" أن تدلل في المنزل بمختلف وسائل الراحة المتاحة، ولا شك أن قضاء أسبوع في خيمة، بعيدا عن كل هذه الوسائل هو آخر شيء تريده؛ لا تلفاز ولا هاتف خلوي ولا حاسوب، فقط الطبيعة النقية. لقد أحببتها لأنها فعلت كل ذلك من أجلي.
خطا خطواته الأولى خارج المقهى التي اعتاد التردد عليها، مند مدة، ولا يبرح كراسييها حتى حلول الظلام وأحيانا حتى بزوغ الفجر. زَرَّرَ معطفه الداكن ووضع فوق رأسه قبعة صوفية سوداء من صنع أمه، ثم أطرق عائدا إلى حيث لا يدري.
قال بهمس:
الصمت وأنا في دهاليز بيت مهجور، أصمت ويصمت ظلي تحت عيني مصباح ذو شعاع باهت ، يتحدث إلي دون أن ينبس بكلمة، يقول لي : أنت شقي أخرسه الزمان، أنت ذلك الزاهد الذي لا تتعب شفتاه من ملامسة فناجين القهوة الساخنـــة ، ذلك الذي يضع سيجارته بين أصابعه فيتركها لتحترق في صمته،
ولأعترف لكم، فقبلها لم أكن أعرف ماهي (الباكتيريا)، ومثل أي بوهيمي يتبنى نظريات غير مكلفة ماديا، كنت أعتبر ان بعض الميكروبات جيدة للجسم وتقوي مناعته، وأن الامراض الخطيرة مثل الرصاصات بالنسبة للسجين الهارب قد تصيب وقد لا تصيب. الى أن التقيتها. منذ اللقاء الاول وما أن مددت لها يدي مسلما حتى سألتني : في أي وسيلة نقل جئت؟ قلت لها: الاوتوبيس. كما لو أنه قد مسها تيار كهربائي، فتحت حقيبتها وبدت وكأنها تبحث عن شيئ ما محدد. أخرجت قنينة طبية بيضاء صغيرة ضغطت على بطنها حتى خرج منها سائل أبيض شفاف ثم بدأت تمسح على يديها الاثنتين، نظرت نحوها متسائلا: هل تعانين مرضا ما؟ قالت لي بهدوء زائد كما لو انها تريد ان تخفي شيئا ، انه "مضاد الباكتيريا" ثم نظرت هي نحو يدي، فعقبت أنا: وما هي الباكتيريا، وأخذت تشرح لي وهكذا بدأت قصة حبنا مع الباكتيريا ومضاداتها، والباكتيريا أيها السادة لاترى بالعين المجردة هكذا قالت لي، وهي توجد في كل مكان تقريبا وأضرارها خطيرة جدا، فهي تصيب بمرض التهاب السحايا وتفسد الاطعمة المكشوفة وتؤدي الى تسوس الاسنان.
من وسادةِ الغرفة المعتمة ذاتها، شرعَ ينطلق .. في عبابٍ يتفتحُ، يتداعى، ولا ينتهي .. يسرعُ كومضٍ، أو يبطئُ للتأمل، يدققُ بغرابةِ ساكنِ دنيا، يستدعي غسقا، وينيرُ شمسا صاخبة، يطوي الزمن، فيأتي بمن ذهب في لمحة بصر، وبضربة طَرفٍ يغيّر الأمكنة، يحادث راحلين ملأوا رأسَه بهم، من أبي النُواس بعمامتِه، يحدِّقُ، ويهامسُه، إلى الحجاج يأمرُ، فيقومُ سيفٌ، ومنجنيقٌ يلطم .. ويرى رابعةَ تمزجُ اللبن بالعسل، وتأتيه بقدح، وعمرا يغمزُ بعينيه، ثمَّ يقهقه، وهو يمضي في دربِ أرضٍ قاحلة......