بَوْح ـ نص : مأمون احمد مصطفى
حين دعوت الليل ليستريح على صدري، ويلقي بظلمته الموغلة بالمجهول والغموض بأعماق ليل عمري وعتمة دربي، ضحك، بسخرية واستهزاء، واخرج من أمعائه المغطاة ببياض ناصع يذهل العين ويخطف البصر لسانا متقدا بفوهات بركانية تسيل من أحشائه إلى أحشائه، واندفع يشكل ملامح الساعات ببريق جهنمي الطلعة، وسالت منه روائح نار زكية، روائح حشائش دستها في طفولة عمر تقضى بين أحضان البيارات والجبال والسهول والربى.
قال لي:
صدرك صغير، غير مكتمل النمو، لا يتسع لفراش السهل، بل لا يتسع لبيت نمل في جبل، ولا يتسع لجذر نرجسة تسكن ربوة من ربى الأرض التي تعرفك ولا تعرفها، وأنا، طويل، ممتد، من حد الكون، إلى حد الكون، كبير، من حد الأرض، إلى حد السماوات، ثقيل، لا تسعني الأرض، ولا تسعني الشمس، والقمر أعلن عجزه منذ الأزل، وصدرك صغير صغير، تنحره حبة عتمة، وتذبحه حبة ظلمة.
هل أقابلهما يا ترى ؟ و كيف ستكون نظرتهما إلي؟ تساؤلات كثيرة دارت في رأسي فقد مضت مدة طويلة على رؤيتهما. إنهما نزار و باسل اللذان كانا يدرسان معي في المرحلة الابتدائية و الثانوية ، و قد لمحتهما للتو من النافذة . أصبح نزار مهندسا متميزا و باسل طبيبا معروفا ! كلاهما ناجحان في عملهما و قد بنيا أسرتين جميلتين كما يقول الآخرون. أما أنا فرغم مرور كل هذه السنوات فما زلت هنا أكتب فقط.
قال الثلج ضجِرا..
النيران المشتعلة تحدَّثت إلَيَّ ، النيران تسألني وتستفزني ،تستعجلني الإجابة عن شيء ما كان خاصًّا بي .
مرضت زوجته فجأة وذهب بها إلى المستشفى حيت خيروه بين الانتظار لشهرين أو الرحيل بها إلى مصحة خاصة، حدثهم عن فاقته وعن شح دراهم يومه التي بالكاد تسد لقمة عيشه رفقة أسرته، احتقروه وتفننوا في إذلاله، طالبوه بشهادة الفقر متناسين أنه هو الشهادة بعينها، تم تركوه يطرق أبواب مكاتب عديدة ليخرج منها مهانا ذليلا.
حين تنطفئُ جذوة الكلام تشتعل مسافات الصمت..
أحلم بكوخ ساهر تنام الصخور حوله، وأن يتحول الزمن إلى صدى تهدهده النغمات . أحلم أن أمضي بلا كتفين وبلا قدمين، وبملائكة الله تقطع هذا الخيط من حول عنقي، وأن أستعيد لوسادتي وقميصي رائحة وطني . أحلم أن أنتمي لحدود نفسي فقد مضيت بلا حدود، وبأن تعود أصابعي التي هجرت يدي، وبأن تتوقف أحلامي .
صحوت من النوم اليوم حزينا جدا؛ فقد حلمت أن أحدهم قد أكل حمامتي البيضاء.. هذه ليست نكتة.. فأنا أقتني بالفعل حمامة بيضاء، أترك لها عادة "الحبل على الغارب" كما يقال لكي تذهب أينما تشاء وقتما تشاء فى فضاء الله الواسع، تطير كثيرا، وتبتعد كثيرا لكنها دائما ما تعود لعشها من جديد تهدل في بلكونتي أناشيد الهوى للذكر الذى تهوى، وترقد في سلام تحت ظل حمايتي..
عند المساء كان الحكم قد صدر، كنت أستطيع أن أرى طبيبي وهو يضع على المكتب تقريره الطبي النهائي، زم شفتيه ونظر في وجهي نظرة فهمت معناها ثم قال- للاسف لم يتبق أمامك وقت طويل- كم؟ نظرت في عينيه مباشرة وانا شبه محتارة- ثلاثة أيام على الاغلب- ثم أضاف: يمكنك استغلال الوقت المتبقي في القيام بأشياء ذات أهمية. حملت الورقة المشؤومة بين يدي ونزلت الدرج شبه غائبة عن الوعي، ماذا يمكن للانسان أن يفعل في ثلاث أيام؟ لاشيء، لا بل أشياء كثيرة، المسيح نفسه قام بأشياء كثيرة في ثلاثة أيام، بم أبدأ؟ هل أزور بعض صديقاتي واخبرهن بالامر؟ لقد استفحل المرض في جسمي، رغم أنني أبدو واقفة صلبة وقوية، لكن صديقاتي سيزدن من تعقيد الوضع، أعرف ان بعضهن سيصدمن والبعض الاخر ستنخرطن معي في نوبة بكاء مر وسأضعف، وأنا لا أريد أن أضعف، أريد أن أبقى قوية ومركزة، أحسست بخذر قوي في يدي، وصولا الى باب غرفتي كانت قواي قد خارت كليا، أدرت المفتاح وسرت زحفا على أرضية الغرفة، توقفت لالقي نظرة على أثاثها، صورة أبي ماتزال في مكانها، بدت ابتسامته ساحرة بالابيض والاسود وكأنني أراها للمرة الاولى، عقارب الساعة لا تزال تكمل دورتها الاعتيادية ولكن ببطء شديد، واتخذت قراري....
على شواطئ الغربة هدّمت خيامك الحزينة ، طويت القهر ورميته خلف الدهر، ورتبت أزمنة جديدة في حقيبتك ، لتعود قافلا إلى مضجعك الأول، تكمل بالنيابة مشروع الأب الذي التقمته في ليلة طائشة إحدى الطلقات غير نادمة ،لتلملم شتات الأم والفراخ الزغب ….
كنت وحدي حين هبطت من ذلك الشاهق، أراوغ غيبتي وأنتظر، أسكن نفسي، ألزم صمتي، أرتلّ ما تيسّر لي من خفقة القلب، قطيع من الظلمة يخبط ناظري، أنكفئ إلى الخلف، أدور حول نفسي، تنبسط كفّاي، تتسلّل قدماي من جوفي، تضرب سطح العتمة فرحة، ذراعيّ يخال لي أنّهما جناحان، أحلّق بهما في فضاء من سائل لزج، تهدهدني مويجاته، أتأرجح فرحاً في فراغ شاسع، يمتدّ ما شاء لي، أتبعثر كما قطرات الندى، ألج بحوراً وفضاءات، أغفو على وريقة وردة، يلملمني نبض له كنه النغم، أنقبض، أعود إلى نسغي الدافئ، يراودني النعاس، أتشبّث بأضلع تحيط بكوني الفسيح، أشهق برائحة التفاح؛ فأنام على سرير من موج ساكن. الساعة المعلّقة على الضلع الأول متوقفة عند الثانية عشرة بعد منتصف الظلمة، تتوهج بين الحين والآخر أقمار زاهرة، تنتصب أمامي تسعة أبواب، خلفها نافذة صغيرة، يندلق منها ضوء وامض، مذ رأيته أصابتني رعشات من القلق، أغمض عيني، يرتبك رقادي، تتفتّح أذناي على أنين ريح عاتية، تحمل غيمة ملبّدة بالسواد، موبوءة بالرماد، تجوب جهات عوالمي الجميلة، تهرول خلفي، أتعلّق بأضلع كوني، تقتلعني، أسقط في الفراغ، أتدحرج مزدحماً بالخوف، تصهل في جوفي صرخة، أكتمها إلى حين، كقابض على جمرة، لأول مرة أحسّ بضيق المكان....