رُكْيَامْ ـ قصة : عبد الرحيم دَوْدِي
يقولُ أهلُ البلادِ والأمصارِ القصيّة، أنهم رأوا في الليلةِ السابعةِ من شهرِ الجَمرِ بالتقويمِ الهرموسيّ، حمامةً نحاسيّةَ اللونِ تحوّمُ قربِ شرفةِ منزلِ "رُكَيامْ" الأبيض. كانتْ ليلةً شاحبٌ قَمَرُها باهتٌ ضوؤها. وقد رَوى قوّالٌ غابَ النومُ عن جفنيّه ردحاً طويلاً من الزّمن قصّةً إليكمْ نُسْغهاَ:
بعدَ أنْ حوّمت الحمامةُ حول المُنيّة، انتبذتْ مكاناً مفتوحاً على جرفٍ هارٍ، ثم طفقتْ تَشْدُو بصوتٍ رخيمٍ كأنّه صوتُ راهبةٍ في ديرٍ رومانيٍّ قديمٍ، كانتْ الحمامةُ تستديرُ نصف دورةٍ يميناً ونصف دورةِ شمالاً، لتتثاءب بهدوءٍ مُلغزٍ. وأنا مأخوذ بهذه الحال العجيبة، رأيت فيما يرى الحالم، "رُكْيَامْ" تملأ أَزْمَانَهَا وأنْفَاسَها بِهديل الحَمامة ، ثمَّ تُفْنِي ذَاتَها فِي هذه الموجات النورانيّة، فَيفنَي الكلُّ ويبقى هديل الحَمَامة مُسْتَحْكِمًا. طارت الحمامة واستقرتْ على سياجِ الشّرفة المعشّق بماءِ الذهب والمزخرفِ بأزاهير حدائقِ الزهراء الساحرة.
بتثاقُلٍ شديد فتَحتْ نعيمة جفنيها.. ماذا حدث؟ تساءلت الطفلة النحيلة. رفعت يدها منهكة، وتحسّست بكفِّها، أجزاء مِن رأسها، وإذا بها كأرض البادية التي جاءت منها؛ حُفر وتلال يابسة. من أين إذن تأتي هذه البقع التي تلوّث أجزاء من ثوبها الكالح؟ تمالكت الصبية نفسها، ونهضت تحبو، حتى بلغت الحمام.بعد مشقة نهضت، وهي ترتكز بكلتي يديها على المِغسل، ثم رفعت رأسها ببطء إلى المِرآة. ما هذا؟ وجه ذاوٍ وعيون متقرّحة، وشفاه مكدومة وجبهة يتدلى منها خيط من الدم ! فكرت نعيمة أن هناك احتمالاً من اثنين: إما أنها نائمة تحلم،أو أنها ميتة !
صمت يجلله صمت، ورهبة تجلل برهبة، ووحشة تجلل بوحشة، ومجهول يغوص بالمجهول، وغموض يهوي إلى قعر أعماق الغموض.
البعض يدفعون بك قسرا كي لا تكون... حتى قطط الشوارع تفعل هذا ،تخدش وجوه بعضها من أجل قمامة تافهة ، فيحتدم بينها القتال ، خرج جرذ صغير يتسلل حذرا من بالوعة مياه، يرتجف من الخوف و البلل ،قلت له ،لا تخف ، ، عليك الأمان ، اذهب إلى حيث تريد ، أنا هنا ، لست لأصادر حقك في الوجود ،أنت كائن وأنا كائن ؛ أولئك الذين يظنون أنهم يملكون الشارع ، وحدهم تافهون، تعجبني الشمس لأنها بعيدة ، أما القمر أكره فيه كثرة الغياب ؛ أوراق خفيفة ، ، يهزأ منها الريح الخافت مع همسات الليل يدفع بها على مهل من وسط الشارع إلى الهامش ، قلت يا عجبا ..حتى الريح متآمرة ، أين تدفع بهذه الأوراق ، بين شجرة الزنبوع و الحائط ثَم وكري، نسجته في الظل ،البعض يسميني المجذوب والبعض يسميني الأحمق ، ملائكة الليل عندي أحسن من شياطين النهار، هي الأقرب إلى قلبي ، ربما لأنها تقاسمني المَلَل والعِلل، وقفت إلى جانبي عاهرة قديمة أعرفها جيدا وأعرف تاريخها المهني المجيد ، تاريخ العاهرات كله هروب ، تسأل هي الأخرى ، عن عود ثقاب أو ولاعة ، وتنظر غير راضية إلى هندامها الأنيق بمقت.. ،قلت لها ، أنا لا أدخن...التدخين يقتل ، قهقهت عاليا وبصقت بجانبي وانصرفت تاركة وراءها نسمة عطر رديئة ممزوجة برائحة نبيذ ، لا أتخيل شارعا جميلا بدون جرذان وقطط وعاهرات وريح و أوراق ....
للمرة الثالثة الآن يرن جرس المنبه. يكاد يفقده صوابه كل مرة، لكنه لم يسكته هذه المرة، بل اكتفى فقط بالتحديق في سقف الغرفة ممددا على السرير. أراد أن ينفض عنه الغطاء لكن لا تسعفه أطرافه. اكتفى فقط بالتحديق. سكت المنبه لوحده. لم يستسغ صراخ المدير في وجهه ذلك الصباح، بقي صامتا وكأن المدير لا يعنيه بالكلام، بل حدق في عينيه مليا ثم انتقلت عيناه إلى شفتيه اللتان بدتا وكأنهما تغلقان وتفتحان دون إصدار صوت، يا للسان الأفعى هذه! ويا لعيني العقاب! فكر في نفسه. لم يتذكر قط كلمة مما قال. ها هو المنبه اللعين يرن مجددا ويوقظه من غفلته، وهذه المرة انقض عليه بعنف وكأنه يسكت فم المدير بقبضته، ثم انتفض من فراشه واقفا. كاد أن يسقط على الطاولة بجانب السرير من عنف حركة الوقوف تلك، فارتد إلى جانب السرير جالسا ورأسه بين يديه وعيناه مغلقتان. ظن لوهلة أن الغرفة وأن كل شيء من حوله يدور وكأنهم في فلك يسبحون، السرير والطاولة والكرسي والتلفاز والخزانة والنافذة والحائط والباب......
لماذا نغادر الأشياء؟ ولماذا تغادرنا الأشياء؟
... ثم جلست في المكان المتفق عليه، المطل على الشاطئ هناك، كانت كل الأشياء هادئة جدا بطعم الخلود الأبدي، ومعها ألفيتني ساهما، متأملا بدون عنوان، على العموم كانت هذه ولازالت عادتي عندما أجدني واقعا في فخ الصفحة البيضاء، حيث تنعدم اللغة أو بالأحرى تصبح عاجزة على ترجمة ما بدواخلي، ومنه فقد قررت أن أسافر وبدون وعي مني عبر تلك الأصوات البعيدة الممتزجة بهدير الأمواج الخفيف، كان المنظر بمثابة حافز على تنويم مغناطيسي طويل الأمد، لكنه كان أيضا فرصة لطرح تلك الأسئلة التي كنت قد نسيتها أو بالأحرى تناسيتها منذ عشرين سنة، صحيح أن هناك فصولا طويلة كان لها ما كان في هذا الفراق الذي حدث بدون سابق إنذار، لكن كان لا بد لإرادة الإنسان أيضا أن تلعب دورها لإصلاح ما أفسده الزمن، وهو الأمر الذي لم يتحقق أبدا، كأننا كنا على استعداد لهذا الذي حصل، منتظرين فقط ساعة تحققه......
القدر لا يعبث إلا بالجميلات !!!
لماذا نغادر الأشياء؟ ولماذا تغادرنا الأشياء؟
على مرمى حجر ، لمحتُها ،تحدَّثْتُ في داخلي ،لا أعرف عنها شيئا ،لكنني خلتها هناك في سمائي صامتة كئيبة ، لا تعرف لها وجهة ، غير الإستقرار في أحضان مخيلتي ،التي ترتع في سوادها ،وتنتظر الخلاص ،من ذاكرة وسعتها واحتضنت كل أنحاء حياتها . كنت أمعن النظر في عبارة أنيقة عن المرأة ،وعندما مرت عابرة ذلك الجسر القريب ، لوّنْت تلك العبارة ،وكنت أنتظر أن تفي بمعناها ،فمحوت أثر الحزن عن هذه الصورة الحيّة ، التي تعبر الجسر .
جو الدراسة الجامعية أسعدها. لم تتوقع أن تجد نفسها في مثل هذا الجو من العلاقات الدراسية. الآن بدأت تشعر أنها انتقلت حقا من جيل لا يملك حق القرار لنفسه إلى جيل مسئول عن نفسه. ما حملته من تنبيهات أمها وجدتها عن خطر الاحتكاك مع الشباب، يبدو لها الآن، وبعد اقل من شهر على بدء الدراسة، مقطعا من مسرحية كوميدية، أو من عالم لم يعد له وجود إلا في مخيلات جداتنا. في البداية شعرت بالخوف وبعض الرهبة. شعرت بضعفها، عقلها الواعي أعطاها القوة النفسية لتهزم مخاوفها وتضع حدا لحالة الضعف التي اعترتها في الأيام الأولى. الجو الجامعي المليء بحركة الحياة والحوار التعليمي بين الطلاب، والنقاش السياسي وحول قضايا المجتمع والعادات، أخرجها من العالم ألبيتي الضيق المحصور بين واجبات محددة سلفا، إلى عالم واسع الآفاق حدوده السماء.