هلوسات.. زير نساء ـ قصة : محمد أبوزرة
انطلقا بحثا عن رضيعها، الذي ضاع منهما قبل يومين، إثر اتصال وردهما من أحد موظفي محطة القطار.
لدى وصولهما إلى المحطة وجدا رضيعا موضوعا فوق مكتب مدير المحطة؛ طلب منها الاقتراب و التعرف على الرضيع.
لم تستطع الأم أن تكفكف دموعها، و الزوج يضع رأسه بين راحته، و مظاهر الحزن تعم بيت العائلة. لم يصد الجدّ إهمال ابنه و زوجته، صرخ بوجهيهما:
أنتما لا تستحقان أن تكونا أبوين ! إنكما عار على الأبوة.
لكن يا أبي ! ماذا عسانا نفعل !؟
كان بإمكانكما، على الأقل، ألا تنجبا في هذه المرحلة.. حتى تستقر أحوالكما.
حاولت الجدة، تهدئة زوجها، الثائرة أعصابه؛ فهو لا يمكن ان ينكر سعادته بمجيء هذا الحفيد، كي يرث اسمه من بعده.
حين اشتعل المكان ، وبدا ذلك اللهب من بعيد ، لم يكن للقيم والأعراف ،ولا التقاليد والعادات وجود في ذات المكان والزمان ، تعالت الكلمات الصادحة، تضرب مناحي الأزل البعيدة المشبعة بثقل السماوات المحير ، ذلك النور الذي بدا شعاعه غريبا عما تعوده كل الناس .
الموسيقى الشعبية تعتلي أجواء المكان ، الكمنجة تخاطب الجسم ،يهتز ،يصارع الحقيقة ،كل أصدقائهما رمَوْا بالأعراف والتقاليد، وأطلقوا لأنفسهم العنان، ليعبروا كيف شاؤوا متناسين العالم من حولهم .
هأنذا أعودِ إليك أيّها البحرُ الأسود...!
عدنا إلى الدار أنا وحبيبتي بعد أن أمضينا يوم أحد ربيعي مشمس نتجول في الغابات. استلقيت على الكنبة في الشرفة المطلة على الحديقة. تناولت جريدة أمس، واندهشت أن جميع صفحاتها بيضاء إلا من إعلان كبير يملأ صفحة بكاملها:
لم أكن أوَدُّ الدخول إلى ذلك المنزل ،ولكنني وجدت نفسي مضْطرا لدخوله ،فذلك الصّياح المتَعالي ذات عشية ،حتَّم علي معرفة ما يجري لتلك المسكينة ،التي لم أعتد منها إلا على صمتها ،الذي لطالما أرغمني على إعطاء الإعتبار لعِدة أسئلة تراودني كلما رأيتها .
لاشك أن أعمق زلزال تحدثه الكتابة،تقويضها السهل وبجرة وحي، لكل أطروحات متون أقسام الحالة المدنية،وكذا بداهات الكائن المجتمعي المؤسساتي،القابل خيميائيا للانصهار والذوبان،وأخذه شتى صور التنميط والتحديد.ترسم الكتابة تاريخا للمرء،بين ماقبلها ومابعدها.فهل بوسعنا المجازفة، بالاستفسار التالي :أي مصير محتمل لبيولوجية العرق والجنس،قياسا لمجتمع يشتغل جل أفراده بالكتابة وعلى الكتابة،ويرفضون عن هذا التقسيم للعمل، بديلا؟يتحرر الفرد بالكتابة،وهي تطويه نحو خلود الآبدين،بحيث يهزم الآخر والقدر والسلطة والمكان،ثم يسكن ذاته وقد تمثل أقصى ممكناتها. 
ماذا تريد؟
الرجل الذي أطفأ الشمعة يتحدث إليَّ ، السعال يأكل نصف كلامه ، يتوالى السعال ،وتتوالى الكلمات المتقطعة الوازنة ، التي لم أعهدها في كلامه أثناء حديثنا المتكرر معا ، في ذات المكان الذي اعتدنا أن نملأه صخبا وضحكا متعاليا ، بتنا نملأه عبثا ، نملأه سموا بمحاذاة سكونه ونحن نتجاذب أطراف حديث أسهب في الشجن ، وسادت كُنْهَه أسرار من حقيقة لا يمكن حجبها .
احتسيت كأسا من الشاي وأكلت قطعة خبز، تم وضعت وجبة خفيفة في حقيبتي لعلها تُصمت أنين معدتي عند الحاجة، فانطلقت أسابق الزمن. على غير العادة، اختفت من أمام بيتي كل الأزبال المتراكمة مند أيام، حتى الزقاق عُبد والرصيف كُنس. موقف الحافلة بدوره لم يسلم من التغيير، زُود بشاشة إلكترونية كتبت عليها أرقام الحافلات والمدد الباقية لكل منها، وبُني بجانبها مكان للانتظار مغطى بسقف يَقي الجالسين من لسعات الشمس الحارقة وزخات المطر، وُضعت على اليمين ألة أتوماتكية لبيع المشروبات والحلويات.