الزقاق – قصة : سعد البغدادي
حاولت ان اتذكر الذي حصل لكني بعد عدة محاولات ايقنت اني غير قادر على معرفة تفاصيل الحادث.في تلك الليلة خرجت بعد ان شعرت بضيق التنفس وآلام في صدري ، وبينما كنت اسير في ازقة الحي وجدت نفسي في زقاق ضيق لم ألفه من قبل ولم اشاهده، تعجبت كيف لم امر بهذا الزقاق ؟ على الرغم انه لم يبعد عن محلتنا كثيرا. كانت هذه الافكار تراودني وانا عند مدخل الزقاق لكنها انقطعت حينما سمعت صوتا اجشاً مبحوحاً يوحي بالكآبة والانطواء يقطع عليّ تأملاتي في هذا الزقاق
سألني ؟ و ِِلمَ تستغربه ؟ انه هنا منذ زمن طويل لكنك انت من لم يره.
لم يدع لي مجالا للسؤال او الاستفسار واشار اليّ ان ألزم الصمت. ما الذي جعلني لا اتكلم .. لم انطق .. لماذا استسلمت له بهذه السهولة واصبحت منقادا اليه ؟ ما السحر الذي يملكه هذا الرجل؟ المسن اصفر الوجه كأنه جاء من اطراف العالم وكأنه لم يذق قطرة ماء منذ سنين. كيف قبلت السير معه داخل الزقاق؟ هذا مالم ادركه حتى هذه اللحظة. وحينما سألني المحقق بعد عشرين عاما كيف تعرفت عليه وكيف دخلت الزقاق معه لم اجبه لان الاشياء في حينها لاتبدو اكثر صورة ووضوحا.
كز على أسنانه من الغيظ….كز عليها بشدة حتى سمع طقطقتها بين فكيه … قرر أن يذبحها من الوريد إلى الوريد ..
"
كنت أعلم أنكِ الأجمل بين الحضور يا صغيرتي , ليس كونكِ ترتدين فستان زفافكِ ووصيفاتكِ يرفعون أكمامكِ البيضاء والملائكة الصغيرة تحمل شموعكِ , والمصاحف تبسمُ لنا بين الخزامى, بل لأن أحزان الزهور وجمال الملائكة يندرأن يتقاطعا في وجه أميرةٍ معلقة إلى صليبها في فستان زفافها ..
المكتب واسع وثير. النظارة فوق الأوراق تلمع. على مهل أتى، بهدوء مهيب جلس. في هدوء أيضا يده تمتد، تضع النظارة. بسرعة يتصفح الأوراق، وبالقلم عليها يوقع.
كبريـــاء:
مات الرجال منذ أمد، وبقيت الأرامل واليتامى واللئام ، والأرض ساحة ، والدهر مدى له في مصائر البشر رأي ويد.
أيحسبه استهزاءا ؟، متى كان له مثل هدا الحق؟ ، أغبياء ، متأكد من أن ارتسامات وجهه هي التي خانتهم ، يعتقدون بل و يجزمون أن بإمكانه فعل ذلك ، كيف لا وهو يبدو سعيدا ، ضحوكا ، لا ... إنها صيغة داهية، يتفنن في ارتداء حالة اليسر ، يحلم بما يريد ويتفوق في الإيهام .لكنه الآن يشعر بايهاماته تقف ضده.... أليس موضع شفقة وهو يستقبل صفعات تدعوه إلى الاستجمام في منطقة ما ؟.يعانق الحلم هنيهة لكنه يستفيق على وقع خطوات الواقع .
عشقه للحروف لا يضاهيه عشق ..
والتقينا مرة أخرى...
الطقس شتاء والمدينة مغطاة برداء أبيض ناصع، يبرق بريقا جميلا مع أشعة الشمس. وقف (غريب) بأعلى منطقة ب(هولمن كولن). رفع عينيه إلى السماء يبحث عن غيمة أو سحابة أو ربما أمنية تتحدر عبر سماء من الحلم. سرح ببصره المحيّر إلى فضاء المدينة. يرى وجوها متعددة الألوان. بعضها تشع حيوية، أخرى ترتعش بجنون، وجوه هشمتها تجاعيد لزمن طويل من الغربة والأسى، للبعد عن الوطن ووجوه ممسوحة من الملامح ممسوخة لاتعرف هويتها. من تلك التلة كان (غريب) يفترش قلقه المضطرب، على بساط الثلج، يجوب حذرا على أعقاب الزمن الذي أجهض أحلاما، ولوث رغبات.و آمال مزقتها انفجارات الوعود المبتلة بالسراب وأخرى التهمتها أمواج سحبتها تيارات لتنتهي في بطون حيتان "الخلاص". نزلت قطرات شاحبة على وجنتي غريب التي أصابها الجفاف. قطرات تحترق حسرة وترتعش بالجنون لذاكرة الماضي والحاضر الذي يجمعهما حضوره المدثر بالوجع القديم والخوف من الآتي. كان يلملم هدوء سكونه المفتعل في صمت، جاثيا وكأنه يصلي لحلم مخنوق، يبحث فيه عن سكينة تمسح عن روحه دموع المنفى وشرود العزلة القاتلة. تطلع إليها والحزن يرشفه، تصنع ابتسامة تفضح استياءه المتراخي على جسده المثقل بلا شيء . أحس أنها تعيش فيه كل يوم ويعيش فيها. تسجنه بقيودها ، بسحرها الغامض. هي كريستيانيا التي أوقعت الكثيرين بسحر جمالها فتضاربت...