بداية التعاسة - قصة: عبد الصمد الإدريسي
_الله يخليك رقم الحافلة التي توصل إلى الجامعة؟؟_خذ رقم ستة
صعد الحافلة مع جموع الطلبة التي كانت مصطفة تنتظر قدومها، ورجع إلى الوراء ينزع نفسه وسط الزحام واضعا يده في جيبه حتى لا يكون فريسة سهلة لنشال يصطاد في الماء العكر، أما اليد الأخرى فكان يمسك فيها بعصبية على الملف الذي يحمل الشهادة التي طالما حلم بها، والتي أمضى في سبيلها اثنتا عشرة سنة من الدراسة دون رسوب حتى استطاع أن يحصل عليها عن جدارة واستحقاق ، لم ينتظرها لوحده وإنما كانت كل الأسرة تترقبها وتبني أمالها وأحلامها على شهادة الباكلوريا التي سيحصل عليها "عبد السلام " هي الآن بين يديه ، وليس بينه وبين دخول الجامعة إلا وصول الحافلة...
كان يطل برأسه من النافذة مشدوها إلى هذه المدينة الجديدة التي لم يزرها من قبل وإن كان سمع عنها كثيرا "الله يعطي لأصحاب فاس الجنة ويعطينا احنا فاس" كانت هذه العبارة وحدها كافية ليرسم في ذهنه صورة خيالية لهذه المدينة الجميلة، التي خلدت حولها هذه العبارة. وأحس بنشوة غريبة تعتريه وهو يتخيل نفسه طالبا في جامعة فاس العاصمة العلمية التي يتمناها الناس كما يتمنى المرء الجنة!!
جلده ، بارد ، كالجمر ،، كماموث يدور ، يدور داخل غرفة رديئة إكتراها حديثا في نزل رديء ،،، غرفة يتوسطها سرير خشبي قديم ، يتيم ، بالركن طاولة قفر ، و أمامها كرسي ثلاثة من أرجله متشابهة و سبحان الله الرابعة معدنية ،، نشاز ،،، رسم لوجه مكسر معلق على جدار دهنه متلاش ،،،، يدور ،، يدور كماموث ، ينتبه إلى حقيبته الموضوعة على طرف السرير ، يفتحها ، لا شيء ، سوى بعض أدباشه ،، لكنه يفتقد الآن كتبه و أوراقه التى تركها عند التى إلتهمت نصف عمره ،، و كابد نصف عمره أن يتقبلها كما هي، مراعاة للتقاليد ووووووووووو ، و لكنها كانت كتلة من العقد و كومة من أشياء أخرى ،،لذا بمجرد أن إستقرت في رأسه فكرة أننا لا نعيش مرتين ، حمل جثته و هرب بجلده منها ،،، و لكنه مشتاق لمكتبه و كتبه و كراريسه ،، إنه الآن ملغوم بكلام كثير ،، لابد له من ورق ،،القلم فر معه في جيبه ،إنه يريد أن ينفجر داخل ورقة ،،، يبحث في البيت عن جذاذة يكتب عليها ، حتى علبة سجائره فرغت فألقاها في الشارع ،،لابد له من سيجارة و ورقة .
أرجعت لها خاتم خطوبتنا..امتقعت,وعصفت سحنتها الواجمة دهشة..أمسكته بأيدي راجفة..هوى أرضا..فدوي صداه في شقوق الأيام العاشقة..قلت لها:
"
سأموت....
بدأت الأوتار الأخيرة تعزف بقوة تعلن قرب المغادرة ..فالنوبة الموسيقية أشرفت على النهاية.. لم يعد يحول بيني و بينها شيء و لا عائق ..لا عتبة انتظار و لا رمش أمل و لا غمضة عين.. بات كل شيء مرسوما واضحا ..كل دفاتري بها حبر فيه هزيمة و انكسار ..لكن مصباحا ..أو ضوءا خافتا يظهر من بعيد.. أهو سراب أعتقد فقط بوجوده و أنا الظمأى لوردة حب؟ ..وأنا التي تحتاج عناقا يجعل عضلاتي تصطك فرحا و رقصا ؟ أهو الحلم الجميل الذي طالما انتظرته و عبرت عنه أحلامي الجميلة و ألبسته أبهى الحلل و زينته بأغلى الأحجار .. ؟أهو سند جاء ليعتقني من نار حيرتي و ظلمي لنفسي؟ أجاء لكي يفك أغلالي و يحطم الخوف بداخلي ..؟أهو بالفعل يحمل لي كل تلك المشاعر الجميلة...ما الذي تعنيه إنسانة متعثرة خالية الوفاض من السعادة مثلي ؟حاولت أن تسعد مرات و مرات غيرها.. لكنها فشلت فرجمت.. و تعثرت فتبعثرت.. ألجمت فأغلقت عليها الأبواب ..ووقفت ضدها كل الأصوات تشتم و تلعن إيمانها بالنبض بالصدق بالوفاء ..
لف سيجارته الأخيرة بأصابعه المصفرة عند الأطراف، بعناية ثم وضعها بين شفتيه. أخذ نفسا عميقا بعد أن أشعلها تاركا الهواء الدافئ يتغلغل في صدره المتعب.
أنهى المكالمة و أعاد هاتفه الخلوي إلى جيب معطفه الداخلي , حاصرته الأسئلة..لماذا؟ ما السبب؟ كيف الخلاص؟..ساقته رجلاه رغم قلبه إلى حيث تواعدا ..خفق القلب المنهك لمرآها كعادته , ودارت رحى تفكيره بحثا عما يناسب الموقف , لم تكن وحدها المذنبة ..تحينت أول فرصة للخلاص من أسره ..لم تسعفها حلاوة الاشتباك اللذيذ بين قلبين على التولي..رنت ببصرها إليه ..ألحت على الشفتين لتأخذا منحى التبسم ..بادلها البسمة بتهلل أساريره, ثم استدرك مكابرا : هل من مشكلة؟
نهدان
أُنْهِي شَغَبَ التَسَاؤِلِ فِي حُمَى الوَجِعِ الأَزْرَقِ، تَتَدَلَى ذَاكِرَتِي بِلا أَقِدَام ،وََتَتَلاصُقُ أَشْلائِي المُقَدَدَةِ أَمَامَكَ دَرْوِيش ،أَفْتُقُ حَقِيبةَ الوَطِنِ اللازُورْدِيَةِ وَأَنْعَى المَوْتَ بَيْنَ أَرْجَائِكَ، يَحْتَطِبُنِي الثَرَى وَقُودَاً فِلِسْطِينيَّ الدَّمْعِ ،لَيْلَكِيَّ الوَجَعِ .
جاؤوا قريتنا مساء من جهة الشرق،بلحاهم الكثة الشديدة السواد،وعباءاتهم البيضاء الناصعة البياض ، تجمهرنا حولهم ،فعانقوا الكبار وقبلوا الصغار...