الست ياسمين حردانة - قصة : مجدي السماك
الست ياسمين حردانة منذ عدة أيام. وهذه ليست أول مرة تحرد فيها مدام ياسمين. لكن هذه المرة ليست مثل كل المرات.. وطول ما هي حردانة وهو يحدق إلى نصف التلفزيون.
يجلس نبيل الآن وحيدا في البيت نادما على ساعة الشيطان، أو هو يوم الشيطان.. بعد أن رجع إليه عقله، وصار كل همّه عودة زوجته والأولاد، صحيح أن الموضوع كبر وتطوّر، لكن نبيل لا يرى أنه بحاجة إلى تعقيد ولا ما يحزنون، رغم أن الجرح ما زال طازجا والحكاية لم تجف. ولكن كيف سيعيدها بعد كل الذي حصل؟ وفعلا ما حصل كان كبيرا.. وإنهاء مشكلة أصعب من بدئها في غالب الأحيان. في عقله الآن يكبر سؤال، ويغيب جواب.. وفي فمه يتجمد كلام. ولكن لو رجعت لا يوجد في البيت غازا، فالاسطوانة فرغت من أيام.
أصل الموضوع أنه ذات مساء عتمته خفيفة فيها طراوة، جلس نبيل على الكنبة أمام التلفزيون في أمان الله، وأسند ظهره الذي يسري في فقراته تعب وتنميل راح يحز مفاصله في فتور، وقد بدأ نبيل يهيئ نفسه ليشاهد تمثيلية رومانسية مفعمة بالحب وفيها غرام، فمدد رجليه على طاولة بلاستيكية صغيرة، فاختفى كعب إحدى قدميه في ثقب من ثقوبها الكثيرة المنشورة على سطحها الخشن..
" لا تقُل للأبد/ حبّني اليوم/ أو حبّني فجرَ غد/ حبّني دون حد".
كان محفوظ لا يكترث بدروسه.. ربما لم يكن بليدا.. بل كان مسكونا بتقليد الكبار كعجوز مخضته الحوادث.. وبصرته التجارب.. رغم انه غلام لم يراهق.. وجهه ناشف مخدود.. يصيخ السمع في مجالس الرجال.. ويرقب حركاتهم بحس دقيق متسقط، والده لم يمتهن اي عمل من الاعمال المعروفة.. انه رجل أمي.. لكنه ليس فلاحا ولا عاملا ولا راعيا ولا موظفا.. يتأنق في ملبسه.. ومما يزيد في بهائه عندما يبتسم.. لمعان الذهب في احدى اسنانه.. رغم ان انطفاء احدى عينيه يزيل ذلك البهاء عن مخيلة الرائين اليه.. ولعل ما يدعو الى القرف منه ـ في نظر البعض ـ سحنته المربدة ووجهه المتجهم وخيلاؤه المهارش، في تلك القرية التي راج فيها لغط واخز واستشرى همس مترع باللمز.. عن مشاهدة الناس لوالد محفوظ وهو يزيل الغبار عن كتف ـ البيك احد كبار الملاك ـ الذي كان يزور القرية للاشراف على مزرعته.. فيما كان يتبعه والد محفوظ كظله بذلة وخشوع أثارت حفيظة أهل القرية وسخريتهم..
قضى خمس عشرة سنة من عمره في القسم... تعرف عن قرب على أسرار الطبشور ، تركيبته ، وزنه ، لونه ، ثمنه ، طوله ، عرضه... يعرف عدد الذرات المتناثرة من الطبشور على وجهه ، ولباسه .. والتي تغمر عينيه وتتسرب إلى حلقومه .. كان يعرف كل هذا منذ خمس عشرة عاما .. وهو صابر صبر ايوب على هذه المعرفة المفروضة عليه فرضا.. .لقد تآخى مع هذه المحنة كل هذه السنوات حتى أضحت مألوفة لديه...أصبح الطبشور بالنسبة إليه حاجة يومية لايفتأ يستعمله كل وقت وحين .. لقد أضحى مصدرا من مصادر عيشه..فقد اختار ذلك بمحض إرادته.. فلم اليأس والتشاؤم ؟؟
يتسلقنا الفقد....كما تتسلق عُلّيقة عجوز ..حاقدة ..جدار بيت الجيران العتيق..في حارتنا الحمراء الطينية ، فتتوحد فيه لتصير كالوريد المتوغل...وحشي بخضرته في جسد ذاك الجدار القديم الفاتر ...حياةً.
ودعت صديقاتها على ان يلتقوا فى الصباح الباكر قبل تحية العلم
بعينين ممتلئتين دموعا جامدة يتتبع المشهد ......تعاليق تبارح الأفواه وكأنها مادة أولية لرصاص نافد.....لا يكاد يعلق على ما يدور ، إلا انه يفهم كل ما يجول في حلبة صراع تجمع الام و الأب .هدا الأخير لا يبدي غليان الدم ، في مقابل الأم التي لا تلوي على شيء .تدرك بأبسط صيغة أن الزمان يستعد لصفعها مرة أخرى بعد أن أمنت منه لفترة :
كان كل شيء حوله يبدو هادئا ، الغرفة الضيقة تسبح بحمد سلطان العتمة ، والأريكة العرجاء تندب حظها العاثر الذي رماها في هذا المكان ، والكرسي المهترئ يترنح بزهو مترقبا سقوطه قبل الأوان .
ضرب الجفاف البلاد طولا وعرضا...واعلن ان سيادة الرئيس سيلقي هذا المساء خطابا بمناسبة عيد النصر، وتساءل المواطنون :اتراه سيكون خطابا روتينيا كما جرت العادة ام سيكون خطابا استثنائيا هذه المرة ؟
فكر قليلا ..ثم شرع في الكتابة ...
كادت أن تتراقص فى الهواء كأنها فراشة انعشها الضوء حين استعدت للرحيل