حقنة الحياة – قصة : أحمد السبكي
في ركن قصي من أركان مقهى النهضة ، بعيدا عن أنظار الفضوليين والمتطفلين ، جلس فرحان وحيدا يرتشف قهوة الصباح ، وبين الفينة والأخرى يحركها ببطء شديد . حرص فرحان على الإتيان باكرا على غير عادته ، لقد كان يعلم أن اليوم سيكون استثنائيا ، على الأقل بالنسبة لرواد المقهى ، فهم سيشهدون افتتاح الألعاب الأولمبية ببكين.بدأ المكان يضيق بالرواد والمتفرجين ، وطفقت الجلبة تزداد شيئا فشيئا ، حينها انتاب فرحان إحساس بالتبرم والانزعاج ، خصوصا بعد أن شرع النادل في تنحية الطاولات ليتسع المكان للمزيد من الجمهور.
اشرأبت الأعناق وتعالت الهامات لمشاهدة صندوق العجب الذي وضعه رب المقهى بعيدا عن متناول العابثين ، ابتدأ حفل الافتتاح ....آلاف من الصينيين يبهرجون عش الطائر العملاق ، ليمتعوا الحاضرين والغائبين بلوحات فنية ، أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها خرافية ، بهروا بها العالمين.
بعد ليلة مؤرقة لم اـذق فيها طعم النوم ولا رائحته ان كانت له أصلا.أفقت منهكا بعد أن غفوت في وقت متأخر من الليل.الصبح بافلاقه كسر عتمة الليل الحالكة.بدأت الشمس ترسل أشعتها إعلانا بميلاد يوم جديد.حركة صخب في الحي الذي اسكنه بدأت مع الساعات الأولى من الصباح ساهم بدوره في تبديد النوم.تساؤلات ملحة في الداخل لا تريد ان تبرح ليلتي إلا بعد أن تكدرت متعة الغط في نوم مريح.ومما زاد من سهادي صراخ سكير اقام الدنيا ولم يقعدها بصخبه الراعد.أزاح سرواله كاملا وبدا عضوه يتهدل.جبلة أيقظت الناس رجالا ونساء.فهبوا إلى شرفات دورهم يتابعونه ويرمقونه بنظراتهم الواجمة.وشوشات وأحاديث صغرى تجول فيما بينهم تشي بفضول زائد لمعرفة ما يحصل...
الوحدة..وهذا الليل يداعب شمعة تذوي في صمت..عيد ميلاد سعيد..بكل اللغات تملأ بريده الإلكتروني..وهو ما يكف يختلس النظر إلى نافذة الجارة في العمارة المقابلة..مرت سنة تقريبا وهو كل مساء ها هنا بجانب النافذة ..عين على الحاسوب وعين على نافذتها..اختزن كيانه بدفء كل حركة من حركاتها..وهي تمشط شعرها ..تداعب جوالها..تنزع ثيابها أمامه في إغراء قاتل..ليتها تظهر هذا المساء فيصرخ بأعلى صوته أنه قد بلغ الأربعين ولم يعد يطيق الوحدة..ستحتضن عيناه عينيها..سيخطبها..سيتزوجها..سـ..سـ..سمع طرقا على الباب..إنها الشرطة.
وصل الدكتور النفسي إلى عيادته الخاصة التي على الدوام تعج بالمجانين وأنصاف المجانين، والمرضى الذين هم نفسيا مضطربون.. كانوا يجلسون ويبدون كالعقلاء بملامح وجوههم التي ملأها التوجس، وعيونهم التي غشيها وجل وقلق تلبد بالتأكيد كان عميقا.. ثم بسرعة مشى الدكتور نحو الباب، وقبل أن يدلف إلى غرفته توقفت قدماه إلى جواره.. وكان فمه قد بدأ يرسم على وجهه ابتسامة باردة، وأدار رأسه نصف دورة وهو لا يزال يكبّر ابتسامته ويوسعها، ونظر نحو سكرتيرة الاستقبال ذات الوجه الطويل الجميل الذي لونه مثل النحاس النظيف بعد دعكه بقطعة ليمون، ولسع وجهها بنظرة ساهمة قفزت من فوق إطار النظارة التي انزلقت بسبب العرق حتى استقرت عند أسفل انفه الرفيع الطويل.. ثم طلب من السكرتيرة إذا جاء الجنرال العجوز بعد نصف ساعة من الآن فادخليه على الفور، وإياك أن ينتظر ولو ثانية واحدة مع هؤلاء المنتظرين، المختلين والمجانين.. وأكد لها وقد راحت سبابته تلكز النظارة المنزلقة لتعيدها إلى مكانها، على ضرورة وأهمية ألا تأخذ من الجنرال أجرة العلاج كما هو معمول به مع العامة والفقراء.. والمجانين الذين هم سبب ثروة الدكتور، حتى بات الدكتور يتمنى من أعماق قلبه ويدعو الله أن يصيب الجنون والاضطراب النفسي كل الناس.. وعادة ما يعبس وجهه وربما يشعر بالقهر إذا جاء إلى عيادته شخص عاقل.....
تفتيش
ضحك حتى انكشفت اسنانه البارزة وكاد ان يسقط سلاحه الميرى المعلق على كتفه الأيمن
زخات المطر تغرقها برفيفها المنحاز لإنعاشها ، وملابسها الخفيفة التي أصبحت بلا لون تلتصق بجسدها ، لسعة البرد اللذيذة هذه والرشقات المتتالية لمطر المساء ، تبعثرها مصابيح الشارع ،وتلك المصابيح التي ينفرد بها المطر ، حُرَّاً متلاعباً بين انعطافات الأشجار والأبنية الصامتة ..
المرة الوحيدة التي دخل فيها السايب سعدان إلى المدينة مضى على انقضائها خمسون عاما، كان يومها الناس أنواعا وأجناسا .تسمع منهم لغات ولهجات حسب الملامح والهيئات ، ورغم اختلافهم كانت تجمعهم محبة وود وتواصل ؛ يختلفون عن أهل هذا الزمان اختلافا تاما ، حتى بدا له أن لا جامع بينهم إلا هو فقط ،هو لأنه مازال يعيش ، لم يشأ القدر أن يموت رغم انه لم يعد يشبه أهل هذا الزمان ، ولو مات لانقطعت الحلقة الأخيرة التي تجمع بين عصرين : عصر مضى وعصر يأبى أن يأتي.
بماذا تحس يا بني ؟
توجه نحو المقهى ، جلس على كرسي بلاستيكي ، طلب زجاجة كوكا كولا ، كان يتصبب عرقا ، لا شيء سيخفض هذه الحرارة غير مشروب بارد ، بعد لحظات بدأ يخط بيمينه خطوطا وبشكل عشوائي... وسيلة لجر مخيلته بعيدا ، خطوط مستقيمة ، وأخرى دائرية ، وأخرى... فجأة أدرك أن عليه أن يسلك مسلكا حلزونيا ، رسم نقطة في وسط الورقة ، بدأ يدير يده ومعها القلم... دائرة غير مكتملة ، ها هي تتسع وتزداد اتساعا ، ودون أن يشعر وجد القلم يخط على الطاولة ، لقد تجاوزت الدائرة الحلزونية حجم الورقة ، إذ كان حجمها صغيرا . انتقل بخياله بعيدا ، همس في نفسه : ماذا لو لم أتوقف عن الرسم ، أين يمكن لهذه الدائرة أن تتوقف ؟ وضع القلم على الطاولة ، قرر أن يكمل الدائرة في خياله ، أغلق عينيه... وبعد جهد جهيد تبين له أن الأمر يتجاوز قدرته على التخيل ، فثمة حدود لكل شيء ، قرر أن يغير شكل هذه الدائرة الحلزونية ، هذه المرة سيجعلها دائرة ذات خطوط متوازية... رسم دائرة على الورقة وقبل أن يكملها انحرف بها قليلا خارج المسار ليبدأ دائرة أخرى... وهكذا حتى إذا أوشكت على الانغلاق انحرف بها مرة أخرى باتجاه الخارج راسما شكلا ، ما هو بالدائرة الكاملة وما هو بالشكل الحلزوني... أثاره شكل الرسم... تساءل : ماذا بوسعي أن أصنع بهذا الشكل ؟ تمتم هامسا... وبعد تفكير طويل...
أكاد أجزم أن جميع أبناء الحي أو جلهم إن خفت المبالغة في القول ، لا يعرفون مهنة ً محمد العارف ً ، ولا أخالهم يعرفون من هو أصلا ، فتراهم يحسبونه من التجار الذين بارت تجارتهم وخلفتهم قعودا تحت الأسوار يتحسرون على ما فات ، ومنهم من يظنه مؤذنا لدوام ملازمته لفقيه الحارة ، ومنهم من يقسم بأنه مخبر لتردده المشبوه على أقسام الشرطة . المهم... لا أحد استطاع أن يقف على خبر ذلك الرجل مهما بلغت درجة تقصيه وتحريه.