ما زال "السيد سين" حزينا – قصة : لحسن الكزالي
… لم يبرح الحزن فؤاد "السيد سين" بعد، حزينا، منكسرا، كسيف البال ما يزال، بيد أنه يتحامل على نفسه، فيتصنع الانشراح، يتباسم طورا و "يتمسحق" بأمارات السعادة الظاهرية ليخفي شقاءه وتعاساته.
بات شديد النقرة من الناس، كثيرا الازورار عنهم. قلى الأمكنة التي ارتادها هنا وهناك في أحياء مدينته المكمورة في جوف الأطلس لتحرسها الجبال من كل الجهات. في العدوة الشرقية للمدينة تسيدت مقهاه الأثيرة "لافونتين" الأنيقة والفخمة، هناك يقهي، ويلتهم ما يقع في يديه من كتب الأدب العزيزة على قلبه، ويتصفح الجرائد التي يجود صاحب المقهى بها على زبنائه من "العيار" الخفيف، أمثال السيد سين، هناك يحس بالاغتراب وعدم التجانس مع فضاء أعد لغيره : لأعيان المدينة. خلا هذا المكان، وتنبه السيد "سين" ألا يوقفه أحد قط، وأن يكتفي بإرسال التحية إليه من بعيد، لكن لما يحدث أن يستوقفه أحد يبدل جهدا كبيرا كي يبدو متماسكا، محاولا السيطرة على أعصابه، والحفاظ على هدوئه وإذا كانت نار ملتهبة تثوي بداخله، آه لكم ودّ أن يصرخ في وجه الناس : كلكم منافقون، لئام، ثعالب، أنانيون، وصوليون، انتهازيون، همازون، لمازون، مشاؤون بنميم، ولكنه يتذكر الناس الطيبين فيتراجع في آخر لحظة.
...
لعل أمنيته تحققت ..وهل ما بعد أمنية "المدير" أمنية أخرى أجل وأعظم !! الكثيرون يتمنون وظائف أقل بكثير من وظيفة "المدير" .. أما هو فقد أحس أن مفاتيح الدنيا كلها ، قد منحت له ليرتع وينعم كيفما شاء وأنى شاء.. أموال طائلة ستدر عليه من خزينة الدولة ، لم يكن يحسب لها حسابا .. أناس كثيرون سينحنون له إجلالا وإكبارا ، في ذهابه وإيابه ، في غدوه ورواحه... أهلا بالسيد المدير .. مرحبا بالسيد المدير .. !! سيغير من حاله رأسا على عقب .. سيرتدي أفخر الثياب وأغلاها ثمنا.. سيدخن أغلى السجائر ، حتى يزداد مهابة ووقارا بين الناس .. أما السيارة فيترك الاختيار لأصدقائه العارفين بنوع السيارات الفارهة .. سيتدرب منذ الآن أن يحسن من مشيته حتى تتلاءم ومشية المدير .. أما رأسه المطأطأ دوما ــ من كثرة ما عانى أيام العسر ــ فسيرفعه عاليا حتى يعطي لسمعة "المدير" وهيبته ما تستحق .
كانا مرهقين متعبين، خرجا إلى طرف المدينة التي كانت تضغط لتلفظهما إلى خارجها كجسمين غريبين، وحسنا فعلت ، لأنها سمحت لهما بقسط من الراحة ، وفسحت أمامهما المجال لمد البصر عبر الروابي والتلال التي كانت الريح تغازل حقولها العامرة ، البديعة التلوين ، فتنثني خضرتها وألوانها متموجة وتتكسر في دلال وغنج آ سر ، تنفث أنفاسها الساحرة فتنتشي الريح أكثر وتزيد في صفيرها ، تعاند الأزهار في بث عبيرها ، وتسري هبة الله في جسديهما النحيلين فينتعشان، ويفتحان رئتيهما يريدان طرد ما بداخلهما من أدران هذا الزمن الموبوء.
الى روح البير قصيري الكاتب النبيل.
منذ أن سكن حب الإدارة كيانه ، تغير وحيد كثيرا ، وكم تغيرت الدنيا وأحوال الناس ، وكم تبدلت الحياة وأنماطها بين الأمس واليوم .
استيقظ عمر ذات صباح على نغمات الهم وإيقاعات النكد ، لقد ألف المسكين سماع وابل من الاهانات ، وسيل من الطلبات ، درجت زوجته منذ حين من الدهر على إمطار سمعه الثقيل بها. وبما أن دوام الحال من المحال ، فقد انتفض عمر هذه المرة ، فما عاد يطيق سماع الأسطوانة المشروخة نفسها ، فصرخ في وجهها قائلا :
"ان الذي يقلقني هو انني لا املك حياة اخرى اقدمها لبلادي."
فوق منضدتي الخشبية الصغيرة ، حاولت , لملمت أوراقي المبعثرة ، لم أكن اعرف أني كتبت ذلك كله وسط شعور بهذيان بهيجٍ ، هكذا يكون الإنسان عندما يتخلى عن ذاكرة الآلهة ، نبياً منعتقا من جحيم الخيال ، ويصبح نافراً بلا لجامٍ , يصبحُ غيرَ مأمون الجانب وكأنه مهرة مجنونة !
راح ينظر بلا مبالاة نحو شاشة التلفاز حيث كانت تلك الممثلة المغمورة تقول جملتها الوحيدة فى هذا العمل الفنى ، اعترف بداخله بأنها جميلة ، الجملة لا الممثلة ، غير ان الكارثة تتكرر : الشخص غير المناسب فى المكان غير المناسب .
قبل أن ينسج الفجر الشتوي خيوطه ، أطل من نافذة الغرفة الوحيدة ، التي تلم أجساد إخوته الصغار ، في بيتهم الذي يتسامق مع البيوت الأخرى ، فتُلغى المسافات ، وتغدو متداخلة ، فسطح الجيران هو فناء بيتهم الصغير ، إذ ينتصب تنور أمه الطيني وهي تتأهب لتسجره في ذلك الغبش المطير .
استفقت من النوم على نهيق حمار يشق صمت الفجر،ويزعج الكائنات وهي تستقبل يومها الجديد، لبست ملابسي وخرجت استجلي حقيقة الأمر وإذا بالجحش قط اقتلع وتد رباطه و انطلق يعبث بمزروعات الجيران يأكل ما استطاع أكله وبكسير ما استطاع تكسيره بفضل الحبل المربوط برجله والوتد المسحوب خلفه ، ولأنه جحش غر ؛ راح يكر ويفر ، يقبل ويدبر،في حالة من الفرح والمرح كأنه في يوم عرسه، أو كأنه يصارع الغيلان على جبهات متعددة في الأرض والجو وقد استشعر قرب انتهاء المعركة لصالحه،كان يجري ثم يميل برأسه إلى الأمام ويضرب الهواء بخلفيتيه ويرفعهما حتى يعتقد الرائي انه سيقوم بحركة جمبازية في حالة من النزق عجيب.