كن رجلا – قصة : أحمد السبكي
رمت الشمس أشعتها الحارقة ، عم سكون تام أرجاء القرية ....يحق لك أيتها الطبيعة أن تفخري بجبروتك ، يحق لك أن تشعري بكامل الرضا ...ألست من أعجز هذا البشري المتباهي بذكائه ، لينسل خانعا ويخر راكعا ، مفضلا الانكماش والاحتماء من مزاح أشعة شمسك الوهاجة مع جلده المتهالك ؟
- كن رجلا يا ولدي .... عبارة أطلقها الأب العجوز وهو يودع ابنه ، بعد أن أنهى تعليمه بالقرية ، عبارة بليغة موجزة أجمل فيها الأب كل مكنوناته ، ربما لأنه لم يكن مستعدا بما فيه الكفاية لساعة الفراق هاته.
- سأحاول يا أبي ، يرد الفتى وهو يجمع حقيبته ويملأ جيوب قميصه بثميرات لوز وجوز، دستها الأم بين ثيابه في غفلة من إخوته الصغار .
- لا تعد خائبا ...ليس أقل من الشهادة الكبيرة .
- أجل يا أبي ...يكررها وهو يسابق الحافلة الوحيدة التي تصل القرية بالعالم الخارجي .
لاحقه الأب بعينيه الذابلتين ، حتى توارى عن الأنظار ، رمق السماء بنظرة توسل ، ثم ثمتم ببعض الكلمات التي لا يعرف كنهها سواه ، كان يعلم بأن ابنه الذي تربى منذ طفولته على قيم الرجولة والاعتماد على النفس ، يمكنه أن يصير شيئا ما .
جلست على مصطبة اسمنتية انتظر قدومها ...
باب بيتك أبيض ، مثلك يكره الأبواب الزرق .تلك ماكرة ، مراوغة وتتآمر على السماء . باب بيتك مقوّس ، للشمس نصفه والآخر للقمر ؟ أراك تنحني وأنت تلجه وما كنت قطّ محتاجا إلى كلّ ذاك الانحناء . لست سامقا ومع ذلك خلتك مرّة تجمع النجوم . كنت ليلتها أرقبك عن بعد وعيني زرقاء اليمامة وأذني مصغية إلى دبيبك ، خلتني نملة سليمان أحدس خطوك وأسمع نبض حذائك يذرع الأرض . من أين تراك أتيت بهذه الليمونة اليافعة التي غرست على يمين المقبل عليك ؟ أنت لا تطيق اللّون الأصفر فكيف استطاعت هذه إغواءك حتى دلّلتها على هذا النحو فاخضرّت بكلّ هذه الفتنة وأرسلت عبقا أنا أشمّه كلما أغمضت عينيّ أو جاءني النادل بعصيره المثلّج . ولماذا أغلقت كلّ الشبابيك وأرسلت الستائر ،كنت على الأقل تترك بعضها مفتوحا نصف فتحة حتى إذا عبرت مرّة أكون ظفرت بصوتك ينفلت من بين القضبان أو أمسكت بربع ضحكة ترسلها رغم حزنك المكابر . هذا الصباح غائم وثمن الزيت ارتفع وأشغال الأنفاق متواصلة والماء ينقطع بين الحين والحين ونحن لا نفتأ نملأ الأواني وبعضنا يستعير من بعض ونخشى مع انقطاع الماء أن ينقطع الكهرباء ولست أدري لماذا لا ينقطع الماء والهواء إلا في هذه الأحياء ولما ذا لا تنتهي الأشغال أبدا ولماذا تزداد المدينة قذارة ولماذا قرّروا فجأة أن تتوقف أشغال المنتزه الوهميّ ، كنت على الأقل أذهب لأعابث...
هي أسرة قليلة العدد تسكن في بيت صغير ذي فناء ضيق. أمام البيت تقف شجرة زيتون مسنة وكبيرة الحجم، تتشعب أغصانها صانعة عريشه تمتد ظلالها إلى باب البيت. تقف الشجرة بثقة وخشوع، حتى تظن أنها توشك أن تخر ساجدة في أي وقت إلى معبود كنعاني طواه الزمن.. مغروزة جذورها في أرض فضاء متوسطة المساحة.. وراء الفضاء يمتد سلك الحدود الشائك، الحدود مع إسرائيل.. خلف السلك من الناحية الأخرى تقف دبابة إسرائيلية متحفزة لنثر الموت وبث الذعر كالعادة.. تقف الدبابة شامخة بلا خوف، وبلا خجل.. تنتصب باعتزاز كأنها تقمصت ملك الموت عزرائيل وتنكرت به، دون أن تلبس طاقية الإخفاء.. وبعز تقف في قلب العرب.. لا تهاب طول اللسان ولا تخشى الجعجعة، إلى درجة أنها لا تكترث بالكلام الكبير الطنان الملتهب.
وقفنا في طابور طويل، كل منا ينتظر دوره. بعضنا يضرب زميله بالصفيحة التي يضعها على رأسه، وبعضنا الآخر يقع متعمداً على ظهر رفيقته التي تنتصب أمامه كلوح مسجى.
جلس على كرسيه الجلدي المعتاد ، في ركن بعيد عن شاشة التلفاز المسطحة و المعلقة بين فكي جدار سميك ، تشد إلى ألوانها و حركات صورها ، أبصار الكثير من الرجال المختلفة أعمارهم ، ينتظرون في خضم تفاعل أدخنة السجائر الرخيصة ، بدء مقابلة في كرة القدم ..ربما قد تكون مباراة للفريق الوطني .. لم أكن أدري و لا أهتم بتاتا ، بهذه اللعبة إلا من باب استحضار سحر قواعد اللعب التي يخضع لها عشاق هذه اللعبة المسماة "شعبية" ، لأنها بالفعل صممت لتخاطب الفئة الواسعة من الشعب ، التي كان من المفترض أن تنفض عنها الغبار الكثيف العالق بأبصارهم ، و تكسر قيد خوفهم المٌتقًن من ركوب سفينة نوح ..
وعاد من سفره، لم تكن تتوقع أن يرجع بهذه السرعة، هو يسافر متى يشاء، ويعود متى يشاء، وفرحت رغم كل شيء، ثم رفرفت في البيت كفراشة. أخذ دوشا ،ثم تغدى ونام، وتساءلت: ما المانع لو قدم لي الهدية قبل أن ينام؟
نمت وأنا أتمنى لو أنهض فأجد نفسي في عالم آخر ، لا يوجد فيه أي صوت إلا الأصوات التي أودعها الله في مخلوقاته عند خلقها ، حفيف الأشجار، وتغريد الأطيار، وصفير الرياح تحمل الأتربة وتنثر الغبار ، وصوت البراح يتجول في الأسواق بصوته ذي البحة ، يبشر بالمواليد وينعى انطفاء الأعمار ، يرد عليه مغني السوق يروي قصة الإنسان أيام كان إنسانا ،يسكب روحه خالصة في مقطوعات، تتعانق فيها الأجيال تسمى أشعار تتراقص مواويلا تبكيها الأوتار.
شتاء يتكتم اسراره ، مغمس برائحة المطر والطين ، ومزاريب توشوش للارض الموات مخلفة اخاديدها وحفرها للصيف المعضود بسواعد تشق التراب في محاولة لتحرير اللقمه ، من ذل استعباد يهددها . قطرات المطر تدغدغ زجاج النافذة المكسور ثم تنساب بهمس عازفة سمفونية الشتاء تدفئ ارتجاف ضحكاتنا تهددها الليالي بوحشة ، اصابع الليل تنساب في الاركان والزوايا ، بلا استئذان بينما تنساب اشعة الفانوس الشاحبة على وجوهنا العتيقه ، البالية الملامح ..
الأستاذ عبد القادر الدردوري، محام معروف و يملك مكتب محاماة كبير يطل على أهم شـــــوارع المدينة، له من الكاتبات سبعة و من الكتاب ستة و من المحامين المساعدين ستة كذلك، لا يـــتوانى أن يقول بزهو أنه أبقى على مكتبه مفتـوحا لأغراض اجتماعية تصب في عدم حرمان فريق العـــــمل الذي يشتغل معه من موارد قوته اليومي، خاصة و أن مكتبه يدفع أجورا سخية و محترمة، هي مــــــوضوع الساعة لمجموعة من مكاتب المحاماة الأخرى... فهــو حسب قوله يملك من المال الكثير و له مشاريع ناجحة تعفيه من انـتظار عائدات الأتـــــــعاب و النـسب المئوية التي يستفيد منها جراء توليــــــــه لقضايا ونزاعات بعـــــــض الشركات...بالرغم من كونه لا يبرح مكتبه منذ دخوله على الساعة التاسعة صباحا إلى حدود الساعة السابعة مســـــــاء دون احتساب ساعة تناول وجبة الغذاء، سواء بــــمنزله أو بأحد المطاعم الفاخرة... فهو يجد متعة كبـــــــرى في الجلوس لمكتبه لساعات طـــــويلة، لكتابة المقالات و المذكرات و استدعاء كاتباته و كتابه و محاميه المساعدين، لأغراض شتى تـــــتراوح بين إصدار الأوامــــر و التعليمات قد تصل أحيانا من مجرد تأنيب إلى درجة السب و الشتم ، متى رأى أنه من الضروري التعامل بهذه الصيغة ردعا و تحسـيسا للمؤنب أو المشتوم بمغبة تماديه في الــخطأ، و أن عليه تجنب ذلك في المرات المقبلة......
... انتفض الحاضرون ، لغط هنا ... لغط هناك ، صرخ الزعيم ، وهو تيس حكيم ... وإنه وإن كان شابا فتيا ... وليس أكبر القوم سنا... فإنه أطولهم لحية ... ولحية التيس مقامه ورفعته ... كرامته وعزته ، هي مقياس شخصيته ... لحيته هويته... صرخ الزعيم ـ مرة أخرى ـ عم صمت أبيض ناصع ، حملق الجمع الغفير في وجه الزعيم عامة وفي لحيته خاصة ... صاح كبيرهم الذي علمهم مفاتيح السجع : أنصتوا واستمعوا ... كانت استجابتهم تامة .