التباس – قصة : عبد العزيز ضيف الله
تذوي الأوراق فلا يعبق الزهر و تنطفئ شموع الآمال... كذا كانت الصور تنداح في مِخيالها الفائرلحظةَ ساحت في براري النجاة المأمولة..
كانت الدنيا تهتز و تنحط كخفقات طائر يُرنّق فلا يطير الا بمقدار ما يجعله في متناول صائديه...
لم تصدق أنها وصلت دار خالتها ...
كانت تلهث وكاد ينقطع نفَسها حين دخلت حتى أن سامر الذي لم يكن يستلطفها أحس بالشفقة عليها و أسرع فقدم لها كأس عصير وجلس يواسيها و يستفسر عما جرى لها حتى تُقبل في هذا الوقت وهذه الحال.
وحين جالسها وبكت رأى لأول مرة مقدار الجمال الذي عليه البنت وتساءل:" ألم يكن أعمى خلال كل هذه السنوات"
لهذا تمنى عدم عودة أمه.
ونظرت من وراء الدموع فوجدت ابن خالتها يتنمر ليأخذها بين أحضانه...
وقالت ألهذا هربت... و قامت و ادعت له أنها تقصد الحمام.
لم يبق في ذاكرته المكــتظة بالألم .. والمكسوة بالحــسرة .. إلا ذلك الوجــه الجميل .. والصدر الرحب لتلك المرأة ، الذى تمنى أن لا تــودعه إلي رحاب اللّــه إلا بعد أن يستقر بـه المقـام في الوطن بـعد رحلة الإغـتراب التي استمرت سنــوات طويلة ..ولكن الــقدر .. كان اقوى مــن تمنياته .. فبـقي ذاك الوجـه العنصر الجميل في ذاكرة زاخرة بشتى الآلام ..يرتبها كعادته ..ويجعل منها مجسماً أركــانه مترعة بقسوة ونذالة أقرب الأقربين اليه . في لحظات ضعــفه الشديد تجتاح نــفسه تلــك الكآبة القاسية المتمثلة فـي تصرفات نزقــة لأخـوة مسحت ملامحهم أيـادي زوجات وقــحة ، وأخــت طمس معالمها الجمـيلة الخــيرة زوجٌ .. مــترعٌ بالغم يبحث عن الشيطان في أركان ذاته .
عند نقطة ما، في مسار العمر، بين الأربعين والخمسين، يطرأ على الزوجين اللصيقين تبدُّلٌ في العواطف نحو مسـتوى مختلف؛ فيحرصان على الاحتفاظ بمسافة تفصلهما، لا تقل عن ثلاثة أقدام؛ وكان اعتيادياً، وهما في الثلاثينيات، أن يسيرا وقد تماســكت يـداهمــا؛ ولا يني الرجل يقابل إمعان زوجه في مداعبته بكلمات شكر يهمهم بهـا؛ ويحدث ذلك بالرغم من احتفاظهما بالحميمية البـكر.
الكورنيش : مقهى شهيرة بمدينة الجديدة المغربية
في مطعم... تقدم منه قط بئيس... كان يموء بصوت يكاد لا يسمع ، كان ينظر إلى الرجل البدين نظرة استعطاف... ولسان حاله يقول : أطعمني أطعمك الله . نظر الرجل الضخم في عيني القط ، حدق بإمعان... حتى يتأكد من أن رسالته ستصل إلى عقل القط الباطني : وبصرخة هزت القط هزة زلزال قلب قرية رأسا على عقب : " تصاب ألحمار "... وعوض أن يفر القط في اتجاه ممر النجاة فإنه اصطدم بالكرسي... وفي لحظة وجيزة أصبحت أرجله أعلى وظهره أسفل... بدأ يتلوى بشكل دائري ، أصبح همسه صرخة... أعاد المحاولة تحت تأثير الألم ليصطدم مرة أخرى بباب المطعم... سمعت صرخات القط ومعها صرخات نسوة تألمن لحاله... يا الله ما ذنب قط يطلب طعاما ؟! قط يتسول طعاما في بلد الخيرات... إنه أمر مخز... وصمة عار في جبين ذوي البطون المنتفخة... اللئام الذين يملئون ويهضمون ثم يفرغون... لا يسمحون لشيء أن يتسرب يمينا أو شمالا... فتحات أفواههم تسد مشارق الأرض ومغاربها... آه هذا القط التعيس ! قد يكون أبا أو جدا... قد يكون يتيما... لا أدري... كل ما أدركته أنه بقي مدة قد تطول وقد تقصر... بقي في غيبوبة... وحين استفاق من غيبوبته وجد أمام عينيه قطعة لحم... لكن كرامته وعزة نفسه حالتا دون أن يمد إليها فمه... انسحب في كبرياء ممتلئ ومعدة فارغة...
قديما قالوا : ً الولد سر أبيه ً ، وإذا صح هذا القول ، فإن ً المعلم إبراهيم ً صاحب هذا السر بامتياز ، فقد كان والده ً الحاج علي ً شيخ المقاولين في مدينته التي اتسعت أطرافها على يديه ، فكم عمارة أعلى ، وكم برج بنى وشيد ، وحمل عنه ابنه إبراهيم أمانة البناء ، وأضاف إليها دهاء ونباهة وذكاء أكبر ، ولم لا وهو المتخرج من مدرسة الحياة التي أكسبته حكمة وصبرا وجلدا أقوى وأمتن. تلقى أصول الحرفة من أبيه ، وعمق خبراته من اتصاله بأصدقائه البنائين ، وزملائه المقاولين من داخل المدينة وخارجها ، فتهيأ له الاطلاع على خبايا هندسة العمران ، ودهاليز فن البناء.
ابتلعت العتمة كل البيت الصغير الذي يشبه شكله أكثر ما يشبه علبة اللحمة البرازيلية، من الخارج.. أما من الداخل فهو إلى حد بعيد مثل مكعبات شوربة ماجي. هو بيت في احد مخيمات وسط قطاع غزة.. يزيد عدد سكانه في الليل عن عشرين نسمة، الأب وألام والأبناء وأبناء الأبناء، يحشرون به حشرا حين يجتمعون إذا حل المساء.. وبالكاد يصل العدد إلى خمسة أنفس في النهار. تأبى الشمس أن تزور البيت، كأنها حلفت بالله على ذلك، والهواء قليل وفاسد لا يتجدد إلا ليفسد مرة أخرى.. وليس بمقدور أنوفهم انتقاء ما يشتهون من هواء نقي وطازج ليتنفسوه، فيبذلوا أقصى جهدهم لنيل حصة أجسادهم منه، بعد كفاح مع صدروهم المليئة بالحنق على الحياة.. والزمن الذي على الدوام يلعنونه ويسبونه..
وجاءت الحرب، واللعنة على الحرب وعلى الذين يصنعوها، لم تجلب لنا غير القهر والتعاسة. 
نظر اليها وابتسم ، فابتسمت ، واسرع الخطى نحوها
لم يكن يتوقع وهو يحتضن نسخًا من كتابه الأول، مثلما تتلقف أمّ بحنو فرحتها البكر وأول عطر الأمومة.. أن ينتهي به المطاف بائعًا متجولا ، تخيّـل لو أنّ بضاعته (سي دي) لاختلف الوضع، ووجد من يتحلقون حوله حد الاختناق...!