موسم الحرث - قصة : مصطفى طاهري علوي
انتفض المحراث الخشبي ، نفض الغبار وعش العنكبوت عنه ، وخرج ... ووجدها كعهده بها تحت الشمس ممددة ، طرية ، طيعة تحلم بشيء
يخترقها على مهل ،ينغرس في اعماقها ، يرج احشاءها رجا ...
نظرت اليه فتورد خداها وارتخت جفونها وشعرت بالجفاف في حلقها ...
وانتصب ...
فتمايلت الاشجار وتعانقت ..
وغنت العصافير اغاني الحب ورفرفت بالمئات ، بالالاف فوقهما
تشكل غطاء يسترهما ...
اما الشمس فقد اختفت وراء غيمة على شكل قلب ...
فارغة هي من كل مايشغلها..لا تعرف كيف اتسع الفراغ داخلها إلى هذا الحد..تحاول أن تتجول في أنحائها لتخرج بفكرة أو صورة باهتة لذكرى فلا تجد..هل توقف عقلها؟؟لم تعهده هكذا من قبل وهو الذى لايكف عن النبض..نعم النبض.. لايكف عن العمل ولا يمل من مد يديه فى أحشاء الماضي و إلى عيون الحاضر و بين صفحات المستقبل البيضاء..يرتحل من هنا إلى هناك في طرفة عين ثم يعود أدراجه محملاً بما تمليه عليه حالته المزاجية..ولهذا فقد أعفى القلب من مهامه ويقوم بضخ المداد إلى أجزائها المرئية واللا مرئية.. اليوم هو مختلف..شلل ما يسيطر عليه فيستسلم له دون مقاومة تذكر..محاولات محتضرة لتشغيل محركه الذى لم يتعود السكون حتى فى قلب الحلم أسلمت الروح دون أن توصي..
ــ" هل من مزيد ... ؟ "
دلفت إلى المقرخلفه..متباطئا ومرتبكا..رائحة الثورة تنبعث من هذا المكان ..صور شاحبة للذين قضوا دفاعا عن حلمنا.. ووهمهم ! أشار إليهم بزهو قائلا : إنهم الآباء !..انتابني ريب في شرعية الانتماء .. لا أحد منهم تبدو عليه سيما الثراء و الرفه !..ملامح رجولية غاضبة..قسمات تنبض بالعنفوان !
في ذلك اليوم لم تكن وحدها ، نظراتها التائهة في مقر عملها هي نفسها التي كانت في الطريق .. بحثَتْ عن شيء في الطريق لم تجده رأت الناس يتحركون بسرعة ..شعرها يلاحقها متعبا و هي ممعنة في سيرها ..انتبه إليها البعض ..دلفت المقهى أرادت أن تتملى الأشياء والكائنات ..لم تكن وحدها ..كانت معها نظراتها الخضراء و شفتاها المستلقيتان تحت أشعة شمس الشتاء بتعنت و الملتحفتان بأحمر الشفاه ..تبحث عن شيء بلا هوادة تلتفت يمينا وشمالا تقف عند محطة الحافلة تنتظر شخصًامَّا.. مازالت تلتفت ..ربما تأخر في المجيء ..حذاؤها الإيطالي بكعبه الرشيق العالي يمعن النظر من عليائه في المارة علَّه يجد أنيسا ينسيه ملل الانتظار و عفن الاسفلت الرديء لكنه يتحرك في النهاية مواصلا طريقه ..شامخة هي و جذلة تواصل طريقها تلاحقها خصلات شعرها الكستنائي ..صدرها يهتزّ بحرية جميلة كلما نزل حذاؤها من على الرصيف ..عيناها ماضيتان بكل قوة و إصرار إلى الأمام .. هواء الشتاء البارد ينزلق على خدها ..يحاول الانتظار بدوره قليلا عبثا يواصل طريقه حاملا معه العطر الفرنسي الهادئ ..تتوقف عند حديقة عامة مازالت تلتفت بتوتر ..لاأحد هنا ترفع نظرتها الخضراء إلى الساعة الدائرية الباردة ..إنها الساعة العاشرة ..تُحكِمُ ياقة معطفها الأسود على عنقها و تواصل طريقها... هذا الطريق...
تعبت..ألا تصدق أنى تعبت؟؟حاولت إفهامك أنى لست مختلفة عن النساء..أنا منهن وهن مني...ظننت أنت غير ذلك..لم ترهق نفسك مؤخراً كثيراً في تقديم وردة حرف إلىّ..نثرت الآلاف منها حتى تمكنت من قلبي ولما حدث تركتني أسبح فى الورود الذابلة..منذ ابتعدت وأنا بين بين..لا أفهم إن كنت مازلت تحبنى أم أنى دخلت دائرة اليومي والمعتاد..كلما التقينا قال لسانك أنى أعيش بداخلك لكنى لا أجدنى بداخلى فكيف أكون بداخلك...بالأمس خلعت أقنعتي أمام مرآتي حين أحسست أنك تتهرب مني!! هل أوصلت أنا الأمر إلى هذا أم أن هذا كان مساره الطبيعي منذ أول لحظة تقابلنا فيها..اعتذرت ألف عذر ولم أكذبك لكنى تمزقت..تمزقت بين الحب والشك..متعب أنت ربما..منهك وغارق فى انشغالاتك ربما..لكن.. هل تعرف حقاً قيمة اهتمام بسيط تغرسه في قلبي فى خضم انشغالاتك؟؟؟لماذا تظن أنى سأقدر طيلة الوقت؟؟
لهلبت الشمس وصار الجو يصهر الدهن في الأبدان، غير أن نسمات رشيقة فيها برودة هبت فحفت قميص عبد الجواد، ولفحت في طريقها وجهه المصّفّح الثري بالحشائش والأعشاب، وراحت بالمرة تداعب جسده الذي سخنه الجو لتبرده، فشعر ببدنه كأنه مدفون وسط شرائح رقيقة من ثلج، فانتعش.. ومن جلده الناشف تسللت برودة إلى جوفه الساخن فبرّدت قلبه.. لكن حلقه ظل يابسا عطشان.
-1-
لقد ترك ذلك العيار جرحا عميقا، لكنه ما يلبث أن يبرأ حتى يصاب مرة أخرى ، جرح تعرض للنكسات مرات و مرات ،استمعت إليها بتركيز كما تعودت مع الجميع، حدقت بعينيها و هي تحكي كيف تتمنى أن تعود مرة أخرى للحظات كانت تتذوق فيها حلاوة الدعاء لله عز و جل ،لأنها لم تعد تفعل ، لم يعد قلبها يبكي خشوعا و براءة ، لم تعد تتألم من وخزات جروحها ، فقدت شهية التمني و أصبحت أحلامها كلاسيكية لا تمتطي صهوة حصان، لا لذة فيها و لا يستثنيها مذاق....
تهيأوا جيدا..اسبوعان من المطالعة الدؤوب لما يُحتمل من أسئلة..و استنفار لكل الأخيلة الممكنة حول لجنة الامتحان..أجسام مترهلة..نظرات حادة مصوبة خلف زجاج سميك..أسئلة يُخيل للمترشح أنها تنبع من حقد دفين لتصب في قوالب اتهام ! ..ملامح جليدية لا يذيبها دفء الرضى و لاجمر الغضب !