الخلفيات الفلسفية للأدب المعاصر ـ هادي معزوز
« ton secret, on le voit toujours sur ton visage et dans ton œil, perds le visage. Deviens capable d’aimer sans souvenir, sans fantasme et sans interprétation, sans faire le point. »
Gille Deleuze.
لم يستطع الأدب المعاصر أن يرسم لنفسه مساره الحالي إلا بتفاعله مع الفكر الفلسفي، وذلك من خلال آخر الأبحاث التي عرفها هذا الفكر حيث يتجلى أهمها في ظهور مدارس لأول مرة استطاعت أن تزاوج بين الأدب والفلسفة، أو بالأحرى نهلت من الأدب خياله كما استلهمت من الفلسفة مناهجها، حيث أضحى التمييز بين بعض الكتابات صعبا من خلال تصنيفها، هكذا نجد تعقيدات بليغة في الحكم على عديد الأعمال، إذ ما الذي يمكن أن نقوله عن كتابات بروست وكافكا وهمنغواي وكونديرا وكامي وسارتر.. هل هي كتابات في الفلسفة أم في الأدب؟ بعبارة أخرى كيف تزوج الأدب بالفلسفة خلال الحقبة المعاصرة؟ وما هو الأثر الفلسفي الذي وجد في كبريات الأعمال الأدبية؟
" لا ترتكز المعرفة التاريخية على معطيات جاهزة مثل بقية العلوم، بل يتم بناؤها من خلال منهج خاص يتبعه المؤرخ بحيث يستنطق الماضي ويحوله الى وثائق دلالية تمارس عليها الملاحظة والنقد"
هيغل؟! كل الفلاسفة مروا من هذه العمارة الفلسفية الشامخة وسكنوا هذا المعبد وافتتنوا بأعماقه الديالكتيكية الموحدة بين الذاتي والموضوعي، بين الفكر والوجود، بين العقلي والواقعي، الكلي والجزئي، العياني والتجريدي، الواجب والحق، الضرورة والحرية، الحياة والمعرفة، الهوية والاختلاف، المطابق والنقيض، المادة والصورة، الجوهر والعرض، العلة والمعلول، الوحدة والكثرة، الوجود والعدم. كل الفلاسفة سكنوا هذا المعبد الهيغلي، وحتى من أبدى عقوقا وهجره، ظل يكن له الاحترام والوجل، أو يقتبس منه فكرة أو مفهوما. تأثير الكتابات الهيغلية، وخاصة المنطق وفينومينولوجيا الروح، كان كبيرا على كل العلامات الفلسفية المعروفة: ماركس، كير كجارد، هوسرل، هيدجر، كوجيف، هيبوليت، باتاي، لاكان، فوكو… الخ. كل العمارات الفلسفية وقفت على أساس فكر هيغلي، وخرجت من تحت معطف المنطق أو فينومينولوجيا الروح: الماركسية، الوجودية، الفينومينولوجيا.
لقد أشكلت الفلسفة على الإنسان أيما استشكال واستعصت على الفهم أيما استعصاء سواء من جهة العبارة أو الفكرة أو المنهج أو الموقف. ولقد زاد هذا الغموض عند قيام الاتجاهات الفلسفية وبروز الفلاسفة الكبار واكتساح المدارس الفكرية والمذاهب العلمية واندلاع نزاع العمالقة حول الوجود.