" نحن نعيش في عالم نائم علينا أن نوقظه بالحوار مع الآخرين. وما إيقاظ العالم سوى شجاعة الوجود في أن نوجد ونعمل ونبحث ونخترع ونبدع ونخلق"
غاستون باشلار، شاعرية أحلام اليقظة.
تطرح المعرفة العلمية الكثير من القضايا والانشغالات من جهة المناهج والمفاهيم والقيم التي تبشر بها وتنتج هذه الاشكاليات من خلال احتكاكها بأنماط المعرفة الأخرى سواء المنتشرة في المجتمع أو في  دوائر الثقافة والدين والسياسة وتتنزل ضمن إطار تاريخ الأفكار والتجارب الصناعية والأدوات التقنية. فماهي طبيعة العقلانية العلمية؟ وما الفرق بين التناول الابستيمولوجي والتناول الفلسفي للمعرفة الواقعية؟ وكيف وضع غاستون باشلار الخطوط العريضة للابستيمولوجيا؟ وما المقصود بالفلسفة الصامتة عند دسانتي؟ وأين يمكن تنزيلها ضمن النشاط العلمي؟ لماذا اشتغل غرانجي على صلة الواقعي الافتراضي؟

سعى المفكر عزمي بشارة في هذه الجزئية من كتابه: الدين و العلمانية في سياق تاريخي إلى بيان أن الدين ليس عبارة عن خزعبلات أو حكايات خرافية أو مجرد تصورات فلسفية خاطئة يحملها الفهم الشائع للبشر، كما أن ظاهرة الإلحاد و ما يجبلها من مقولات لا ترقى إلى أن تكون نظرية علمية قائمة بذاتها، كما ينفتح بشارة على المقاربات الفلسفية التي جاء بها الفيلسوف الألماني عيمانويل كانط، و التي تؤكد أن موضوع العقل مغايراً تماماً لموضوع الدين، بحكم أن المفاهيم الجوهرية أو بالأحرى النومين لا يدان للعقل البشري المجرد حذقه بوسائله و آلياته الفهمية فهو يوجد خارج الفاهمة البشرية التي لها قيومية معرفة الظواهر الفيزيقية المجردة التي تدرك بمنطوق العقل أما المفاهيم النومينية فهي من المفاهيم التي اضطرت العقل إلى القول بها، تلافياً لمشكلة النقائض ( تكافؤ الأدلة في البرهنة على الأشياء الماورائية الغيبية) وكذا تمهيده للتأسيس لفلسفة أخلاقية مبنية على أخلاق الواجب لذات الواجب[1].

ويبقى المضمون الحقاني الذي يسعى إليه العقل العلمي مرتهنا بالأمل ، من منطوق الأسئلة الكانطية الشهيرة : ماذا أستطيع أن أفكر؟ ( المرتبطة بالعقل المجرد) ، وماذا أستطيع أن أعمل؟ المرتهنة...

"ماذا يفيد الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه" (يسوع)[1]()
 تتميز كل ثقافة بفضاء مهيب من الثراء الروحي والغنى الفكري من حيث هي تجربة إنسانية متفردة لا ندّ لها في الكون ولا نظير؛ وإذا كانت الإنسانية قد شهدت تنوعا في تكويناتها الثقافية عبر تاريخها، فإن هذا التنوع الهائل قد شكل خمائر التطور الحضاري للوجود البشري منذ الأزل، وقد كان من الاستحالة بمكان على الإنسانية أن تنجز ما أنجزته من سؤدد، وأن تحقق ما حققته من مجد الانتصارات، من غير هذا التنوع الثقافي المتخاصب بين الأمم والشعوب. ومع أهمية ما حققته الإنسان من إنجازات حضارية فإن هذا التنوع الثقافي والتخاصب الحضاري ما زال يشكل البوتقة التاريخية التي تتشكل فيها خمائر الحضارة الإنسانية وتتقدم ما بقي الإنسان وما بقيت الإنسانية[2].

ولكن الإنسانية تواجه اليوم تحديات ثقافية كبرى تتمثل في هيمنة ثقافة برغماتية مادية ذات لون واحد واتجاه واحد تفرضها عولمة اقتصادية متوحشة في مختلف مجالات الحياة والوجود، إنها ثقافة السوق والميديا والاتصال، ثقافة تستمد نسغ وجودها وقوتها من قدرتها على إشباع الرغبة والنزوة وتلبية المتطلبات الماددية للجسد في دورة رغائبية من تمجيد لروح الهيمنة ونزعة السيطرة وسطوة القوة، إنها...

"لا أحد من الفلاسفة كان أكثر نبلا من سبينوزا"
جيل دولوز 
" من يعرف ذاته وانفعالاته بوضوح وتميّز يشعر بالفرح"
باروخ سبينوزا
إهداء: إلى أمي زهرة الحسن تزدايت.

تقديم

لماذا أطلق جيل دولوز لقب "أمير الفلاسفة" على باروخ سبينوزا؟
لأن سبينوزا أعاد للجسد قيمته؛ عندما صاح:"على ماذا يكون الجسد قادرا؟"، وعندما اعتبر النافع والمفيد، والخير والحسن هو ما يزكي  ويقوي الإستمرار في الوجود، وعندما فضح ثلاثة أشكال من صور الشخصيات الأخلاقية: العبد والطاغية ورجل الدين.
ولان سبينوزا كتب رسائل حول الشر، وقام بأكبر عملية للحط من قيمة الإنفعالات الحزينة و منطق الخرافة وأخلاق الإرتكاس، وحاول إصلاح العقل وأعلى من شأن الإنفعالات المرحة.
وسبينوزا أيضا، حسب دولوز، فيلسوف كبير؛ لأنه رسم مسطحا جديدا للمحايثة، ومادة جديدة للكينونة، وأقام صورة جديدة للفكر، وغيّر من دلالة الفكر أو "فكر بشكل مختلف" بتعبير ميشيل فوكو.

" إذا حاول العقل أن يقرر فيما إذا كان العالم محدودا، أو لانهائيا من حيث المكان، فسيقع حتما في تناقض وإشكال، فالعقل مسوق إلى التصور بأن وراء كل حد شيئا أبعد منه، وهكذا إلى ما لانهاية له. ومع ذلك فإن اللانهاية في حد ذاتها شيء لا يمكن إدراكه"
كانط، نقد العقل المحض

يطرح كانط الإشكال التالي:هل العالم أزلي أم له سبب أحدثه؟
في البداية، العالم من حيث هو نسق مكتمل من الواقع هو وهم من أوهام العقل يصعد بشكل غير مشروع من خلاله من الشرطي المعطى إلى اللاّشرطي المفترض أي بعبارة ابن رشد يقيس الغائب على الشاهد.
العالم لا يمكن معرفته بطريقة استدلالية بالانطلاق من مبادئ ميتافيزيقية لأن ما يمكن معرفته هو الكون أي الظواهر المكانية والزمانية غير المعروفة التي يوحدها الذهن بواسطة مقولاته القيلية دون أن يصل بها إلى الوحدة النهائية. لكن اذا جاز الحديث عن عالم فيزيائي ومقاربة معرفية للعالم في الفلسفة النقدية عند كانط التي تحاول التأليف بين مقولات الذهن ومعطيات التجربة،
 من جهة أخرى يخضع كانط في كتاب نقد العقل المحض ظاهرات العالم بماهو فكرة كوسمولوجية الى المعالجة الريبية التي تطرحها الأفكار الترسندنتالية الأربع ويظهر وقوعها في جملة من النقائض المحتمة....

إذا كانت التكنولوجيا الحيوية إحدى المظاهر الحاسمة للتقدم التقني الذي يشهده عصرنا، فإن ثمة سؤالا ينفتح على أفق فلسفي لا يقل أهمية وقيمة عن السؤال الأخلاقي، وهو ذلك المتعلق بنمط العقلانية الموازية للتقدم التقني الذي تفتتحه الثورة البيوتقنية في أفق الألفية الثالثة؟ هذا السؤال يرتبط في وجه منه –لنقل الأساسي- بصيرورة الكائن المعاصر من حيث هي صيرورة ترتسم في عالم يعيش تحت التأثير المباشر والعميق لقوة جبارة تدعى التقنية.
 
شهدت العلوم المعاصرة تطورات مذهلة في المنتصف الأخير للقرن العشرين 20. وقد تسارعت وتيرتها أكثر مع اقتراب نهاية القرن المذكور، مستفيدة في ذلك من السباق المحموم بين اقتصاديات الدول المتقدمة التي راهنت في تقدمها وطموحها إلى تحقيق أعلى معدلات النمو الاقتصادي والرخاء الاجتماعي على التحكم بأنظمة البحث العلمي بدرجات عاليا وربطها بمتطلبات الإنتاج الاقتصادي، بل وإخضاعها في النهاية لمنطق السوق الخالص كما تشهد على ذلك اتجاهات البحث في نطاق ما أصبح يعرف بالبيو-تكنولوجيات.
وإذا كان من الطبيعي أن تطرح مثل هذه التطورات مشاكلها الفلسفية والنظرية على صعيد الموقف الأنطولوجي للكائن، كما هو الشأن في كل المنعطفات الإبستمولوجية التي عرفها...

قبل البدء بقراءة مارتن هيدجر لمقولة هيراقليطس، سنعرض وعلى سبيل التقديم لهذا الموضوع، بعض الأمور المهمة والتي ستساعدنا على فهم وإدراك أهمية هيراقليطس في مسار الفلسفة عموما وفي لحظتنا الآنية أو المعاصرة على الخصوص.
    تعد هذه المقولة الفلسفية لهيراقليطس ،الأشهر في تاريخ الفلسفة الميتافيزيقية وقد جرى تداولها واقتباسها وشرحها وتأويلها من قبل كثير من الفلاسفة والمفكرين، وعلى أساس هذه المقولة انقسمت الفلسفة والفلاسفة إلى فريقين، الفريق الأول يتبع مقولة الوحدة والثبات البارمنيدسية (من بارمنيدس)، والفريق الآخر يناصر ويتبع فلسفة الصيرورة والتغيّر التي تولدت من مقولة هيراقليطس –التي نحن بصدد مناقشتها- وفلسفته عموما. وقد عادت هذه الفلسفة إلى الظهور مجددا وبقوة من خلال أعمال فردريك نيتشه لاسيما في كتابه حول (الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي)،  ونيتشه وقَبْلَهُ هيغل  يُعدّان الأساس الذي اعتمدت عليه التيارات الفلسفية المابعد حداثية، وإن كانت أهمية نيتشه أقوى وأكثر تاثيراً من هيغل، فالعودة إلى نيتشه هي عودة استلهام وأخذ وتأثير وتقليد وهذا ماحدث مع (هيدجر، فوكو،دولوز، دريدا، ليوتار) فهؤلاء (أقتبسوا وشرحوا وأوّلوا) نيتشه، بينما فعلوا على عكس ذلك مع هيغل، إذ أنّ همهم...

" توفر التجربة المعيار الأقصى للحقيقة"1
يبدو أن التطرق إلى الحقيقة في الحياة اليومية وضمن النشاطات العلمية للإنسان لا يستقيم دون المرور بمحك التجارب سواء تعلق الأمر بالأحداث التاريخية أو الممارسات الاجتماعية أو النظريات العلمية.
من البديهي أن يتم عرض مختلف الفرضيات والنظريات على حاكم التجربة بغية تخليصها من الأخطاء وتقريبها من العالم ومن أجل امتحان درجة بعدها عن المعتقدات الزائفة ومدى قربها ومطابقتها للواقع.
لكن كيف نفهم هذا المصطلح: التجربة؟ وما الفرق بين التجربة عند العامي والتجربة في المجال العلمي؟
يدل مصطلح التجربة على معنى عام ومترامي الأبعاد وينطبق على حقل واسع من الإشارات والأفعال والدلالات. لكي يتم تحديد المعنى الذي ينطبق عليه بأكثر دقة يكون من المفيد استدعاء جملة من التمييزات التي تستعمل في إبراز التعارض بين السبر والمعاينة وبين الفرض والافتراض وبين التجريب والاختبار.

يعتبر إدموند هوسرل Edmund Husserl مؤسس الفينومينولوجيا (الظاهراتية). وهكذا أنجب واحدة من أهم الحركات الفلسفية في القرن العشرين، وهي حركة لا يمكن حصر ورثتها: هايدغر، ريناخ، شتاين، ريكور، دريدا، ليفيناس، إنغاردن، ميرلو بونتي، هنري، ماريون، واللائحة طويلة. يجب البحث عن أصل نجاح فلسفة هوسرل في طريقة جديدة جذرية ل إنتاج فلسفة طورها هوسرل وزودها بطاقة على تجديد نفسها باستمرار.
تقدم فينومينولوجيا هوسرل نفسها أولاً وقبل كل شيء كعلم تصويري للظواهر الماثلة في الوعي بعد وضع أطروحة العالم بين قوسين. ومع ذلك، لا يقتصر عمل هوسرل على تحليل أعمال الوعي، لكنه يتناول معظم الثيمات الرئيسية للفلسفة: الوجود، اللغة، المعرفة، العلوم (المنطق، الرياضيات، علم النفس). )، الوعي، الزمن، الأخلاق، التاريخ أو المنهج الفلسفي البحت، هذه اذن بعض الثيمات التي اشتغل عليها هوسرل طوال حياته والتي أضاف اليها مساهمة أصيلة.
الغرض من هذا العرض هو إظهار تنوع المواضيع التي تناولها هوسرل والتوتر بين العقلانية والمطلب التجريبي الذي اخترق فلسفته كلها. وهكذا، بعد تقديم موجز لسيرته الذاتية، نعرض لبعض الثيمات والمفاهيم الأكثر أهمية في العمل الفلسفي لـهوسرل، بينما نحاول...

على سبيل التقديم :
تأتي هذه المقالة الكانطية المعنونة ب "فكرة عن تاريخ كوني من وجهة نظر المواطنة العالمية" في سياق خاص يشكل ردا أو استجابة لملاحظة (حول إمكانية كتابة تاريخ للجنس البشري على ضوء الفكرة القائلة بغائيته، وسعيه لتحقيق نظام سياسي مكتمل) تمت إثارتها في مجلة ألمانية.
أما السياق العام للمقالة فهو يقترن بمناقشات فلسفية طويلة حول مفاهيم: التقدم والغائية والمواطنة العالمية )الكوسموبوليتية(...في إطار ما يعرف ب "فلسفة التاريخ"....وحتى نتمكن من استيعاب مضامين المقالة سنسترشد بالتساؤلات الآتية : هل يستقيم الحديث عن تاريخ كوني )عالمي(؟ ألا تخفي التواريخ الجزئية-   للشعوب والحضارات- وراءها خيطا ناظما بإمكانه أن يرشدنا إلى حضور فكرة التقدم والغائية داخل التاريخ ؟ ثم هل يمكن التأسيس لنظام سياسي عالمي ينقلنا من المواطنة الدولتية  -إن صح التعبير- إلى المواطنة العالمية ؟ وبالمقابل أليس هذا التصور تعبيرا عن منظور ميتافيزيقي نابع من خارج التاريخ لا من داخله ؟
بداية لابد من استيعاب التمييز الذي يقيمه كانط بين مجال الفينومين )الظواهر( والنومين) الشيء في ذاته(. فإن كان الأول يرتبط بالطبيعة المحكومة بقوانين الحتمية، فإن الثاني يحيل إلى الجانب...

" إن الحرية في هذا النظام الصارم هي المعنى العميق والوجه الحقيقي للضرورة"1
جان بول سارتر (1905-1980) هو مثقف نوعي من الطراز الأول عرفته الأوساط الباريسية في فرنسا وعواصم العالم العربي ومعظم البلدان الأوروبية والأمريكية والآسيوية التي زارها طوال القرن العشرين.
لقد جعل من أثره مسارا نضاليا وعكست مؤلفاته برمتها انخراطا مبكرا في المعارك السياسية والصراع الاجتماعي في عصره وظهر ذلك في معاداته للاستعمار وتبنيه نزعة اشتراكية نقدية وقيامه بتأسيس مجلة الأزمنة الحديثة صحبة سيمون دي بوفوار وألبرت كامو وإبرامه لصداقة وجودية مع موريس مرلوبونتي.
لقد أضفى سارتر على الوجودية طابعا إنسانويا ودافع بشراسة على الحرية من حيث هي قدر إنساني في أن يكون حرا ويتحمل مسؤولية ذلك ولقد جمع بين الفلسفة والأدب والمسرح والسياسة والالتزام الوجودي.
بدأ سارتر رحلته في الكتابة بإصدار كتيبات عن الخيال والمخيال في منتصف العقد الثلاثيني ولكنه جسم تأثره البالغ بكتاب مارتن هيدجر الوجود والزمان والأبحاث المنطقية لأودموند هوسرل في عام 1943 بإخراج كتاب مهم عنونه بالوجود والعدم ظل محل جدل وخلاف تأويلي إلى الآن وأردفه بجلسة مغلقة سنة 1944 ترجم فيها أفكاره الوجودية وفق أسلوب أدبي ثم ظهرت له...

مفضلات الشهر من التربية

مفضلات الشهر من الفلسفة