ميثولوجيا الواقع ـ أراق سعيد
إن موضوع الفلسفة كما كان يراه هيغل، هو الواقع في شموليته. وقد تبدو هذه الفكرة، لأول وهلة، موغلة في التبسيط والبساطة. لكن الأمر يبدو على غير ما هو عليه ظاهريا، حالما نطرح مسألة تحديد المقصود بالواقع. فبقدر ما يظهر هذا المفهوم طافحا بوضوح وبداهة دلالته ومعناه، بقدر ما ينطوي في نفس الوقت، على حصته من غموضه الآسر وكثافته الدلالية والمفهومية المتحجبة بالضبابية والالتباس. لذلك شكل الخوض في تحديد مفهوم الواقع، انشغالا فلسفيا لدى العديد من الفلاسفة والمفكرين، الذين لم يتوقفوا عند حدود التعامل مع الواقع من حيث كونه إحالة على الوجود العيني المباشر فحسب، بل باعتباره مفهوما إشكاليا منفتحا على مستويات قرائية واستقرائية وتأويلية واسعة. وبصرف النظر عن التباين المحتمل في اقتراح تعريف إجرائي مقبول للواقع، يمكن القول إنه يحيل على مجموع الأشياء الواقعة موضوعا عينيا مباشرا لفعل الوجود والكينونة. فالواقع هو« الموجود ثمة أصلا» بتعبير جاك لاكان. ومن هذه الزاوية، يبدو مفهوم الواقع إحالة على التحقق الملموس للأشياء والظواهر التي تستجليها الذات الواعية من خلال عملية الاحتكاك الواقعي والملموس بالمواضيع والمظاهر والظواهر في أبعادها وتحققاتها وتمفصلاتها القابلة للترسب في الوعي والإدراك. وذلك بالنظر إلى أن «الإدراك هو تمثل حقيقة المُدْرَك1» و«الإدراك أيضا إحاطة الشيء بكماله وهو حصول الصورة عند النفس...
مفهوم الفضاء العمومي:
قليلة هي النصوص أو المناسبات التي تحول الباحث الأكاديمي إلى مبدع؛ ومقال الأستاذ محمد المصباحي تحت عنوان "فشل لقاء الشعر والفلسفة بالتصوف"، يدخل في هذا الإطار، فهو يبرز معالجة فلسفية عملت على تحويل المكتوب إلى تناص، يتداخل فيه القديم والحديث والمعاصر؛ مع محاولة لرصد أوجه الوحدة والاختلاف بينهما أو الاتصال والانفصال: بحيث إن مرجعية المعالجة رسمت عمقا فلسفيا، استحضر فيه الكاتب إشكالية كبرى وهي علاقة "الفلسفة بالتصوف": ابن رشد/ابن عربي، متجها نحو بناء أسئلة أعمق تضع للتصوف مكانة في علاقته بالشعر والفلسفة دون التضحية بأحدهما، مع رسم الحدود الممكنة معرفيا، لأن اللقاء في نظره بين هذه المجالات المعرفية باء بالفشل.
" يوجد عدد من الفلاسفة العظماء حقا، وأيضا عدد قليل من الفلاسفة الذين يثيرون الإعجاب حتى وإن لم يكونوا مبجلين في الواقع"1[1]
إن أول جميل يمكن أن نسديه للقراءة هو قراءتها كما ينبغي أن يكون عليه الأمر، إذ ما ليست القراءة ذلك الفعل الذي من خلاله نتيه بين الأسطر محققين استمتاعا، لا وليست نشاطا أو عملية نتحكم فيها، حيث نقرأ ما نريد ونطرد ما لا رغبة لنا في قراءته، القراءة قراءتان، قراءة ساذجة يكون القارئ فيها هو المفعول به، والثانية يكون القارئ فيها محاربا، للقراءة الأولى نتائج وخيمة على صاحبها كما للقراءة الثانية معالم ليست تستنبط إلا بفضل التمكن من فعل القراءة.
تعرّف السياسة عادة بأنها علم تدبير شؤون المجتمعات على جميع المستويات. مثلما يعرّف العنف بأنه إلحاق الأذى بالغير ماديا أو معنويا. لكن إلى أي حد نستطيع القول بأن السياسة تسعى فعلا إلى تدبير شؤون الناس وتحقيق متطلباتهم وعلى رأسها إشاعة الأمن والإستقرار بينهم؟ ألا تنفي الصراعات الإيديولوجية التي نشهدها اليوم في شتى بقاع العالم، والتي تتحول في كثير من الأحيان إلى صراعات دامية، أية إمكانية لمحاربة العنف بواسطة ممارسة السياسة؟ ولكن، أليس الصراع الإيديولوجي والمادي على وجه التخصيص محايث للوجود الإنساني وللسياسة التي تشكل الدولة الإطار الذي تمارس داخله؟
سنتحدث في هذا الباب عن الفكر الفلسفي بالمغرب من خلال بعدين رئيسيين، بعد فكري محض، وآخر بيداغوجي تربوي، الأول نحصره في جانبه المعرفي، في مؤلفات مفكرينا وإشكالاتهم كما في قضاياهم التي تنزلت منزلة الأس من البنيان في كتاباتهم، في حين أن البعد الثاني سيتمحور بالأساس حول سؤال تدريس الفلسفة بالمغرب ومجموع نتائج ذلك على ذهنيات الناشئة وطرق تفكيرهم، سنحاول أن نُعَرِّي أكثر مما نُسْهِبُ، كما سنعمل على تكريس خطاب نقدي بدل الغرق في دائرة جلد الذات.
يعتبر العمل من الوظائف الأساسية التي تميز الإنسان عن الحيوان، إلا أن هذا الأمر لم ينظر إليه بنفس الطريقة من طرف الباحثين والمهتمين. فالبعض رأى في ذلك إكراها فرض على الإنسان فرضا، والبعض الآخر وجد فيه تفجيرا للإبداع الإنساني الذي يرقى به الإنسان على باقي الكائنات. ولا يخلو الأمر من البعدين معا.
من المتعارف عليه أن اغلب المفاهيم الفلسفية تتضمن على خصائص من الخلط الاصطلاحي وعدم الدقة في التحديد والتعريف، وهذا ما ينطبق بالضبط على مفهوم التعددية’’pluralisme’’ وعلى نقيضه أيضا أي مفهوم الأحادية ’’monisme’’. وذلك يعود في احد أهم أسبابه إلى اختلاف سياقات الحقول المعرفية التي يجري فيها تطبيق تلك المفاهيم، والذي يؤدي بالضرورة إلى إحداث تغيير جذري في معاني تلك المفاهيم ونطاق فاعليتها.
1- المقدمة
" الذهنية العتيقة، ذهنية التقديس الساذج لنبي الإسلام، السائدة إلى اليوم، لم تعد ملائمة للذهنية الحديثة النقدية، التقبل الأعمى لكل ما ترويه السيرة من معجزات محمد، ينبغي أن يخلّى مكانه للارتياب، للبحث والتنقيب، لاكتشاف أن التصديق بهذه المأثورات هو من تأثير الإنبهار الأعمى بها..."