الفلسفة، السينما والزمان عند دولوز ـ محمد مزيان
أ- الصورة والمفهوم:
إذا كانت الفلسفة تفكر من خلال المفهوم فالسينما تفكر من خلال الصورة المتحركة ذاتيا. وما يربط السينما والفلسفة ببعضها البعض هو صورة الفكر. إن صورة الفكر هي ما يلهم الفلسفة في إبداعها للمفاهيم أما السينما فهي تنشئ صورة الفكر وهي توضّب الصورة ذلك أن «مكوّنات الصورة السينمائية تتضمن التّوضيب أصلا»(1). يتعلق الأمر إذن في مقاربة «دولوز» بإقامة مناظرة بين السينما والفلسفة،هي في العمق علاقة تناظر تعكس من خلالها الواحدة الأخرى على نحو أصيل،فالهوية الحق مفعول لعلاقة. هوية السينما تتكشف أفضل ضمن علاقة مقايسة مع الفلسفة والعكس بالعكس. في خضم هذه العلاقة يتحوّل منتوج الفلسفة أي المفهوم إلى «كتل من الحركات الدائمة والمتلائمة داخل تشكل الأمكنة و الأزمنة… تصبح المفاهيم أكثر قابلية للفهم لأنها عبارة عن تجل مرئي لتجربة معيشة من طرف كل واحد». لكن من جهة أخرى يعتبر «دولوز» أن «قيمة الصورة تتمثل في الأفكار المتولدة عنها»(2).
صورة الفكر هي مايشغل السينما كما الفلسفة أي الأسئلة التي تثيرها الأولى والمفاهيم التي تبدعها الثانية. لذلك ينبه «دولوز» القارئ منذ الصفحة الأولى من عمله عن السينما إلى أن الأمر «لايتعلق في هذه الدراسة بالتأريخ للسينما بل بصنافة وبمحاولة لترتيب الصور والعلامات»(3). إذن، لا يتعلق الأمر بعمل تحقيبي توثيقي بل...
إنّ هدف هذا الدراسة هو البحث في التفاعل القائم بين نظريّات المنهج العلميّ (بما فيها المنطق) والتطوّرات الحاصلة في ميدان الذكاء الاصطناعيّ في العشرين والثلاثين سنة الأخيرة. الموضوع الأول الذي سأدرسه بالتفصيل هو العلاقة بين الجدل المستديم الذي يَخُص المنهج العلميّ (المناظرة الاستقرائيّة) وبعض النتائج الحديثة في مَيدان التعلّم الآليّ. سنعرض في هذا الفصل النقاش القائم بين الاستقرائيّين المتمثّلين بالسير فرانسيس بيكون كما هو متعارف عليه، وخصومهم المتمثّلين بالسير كارل بوبر. وسأحاول أن أعرض هذه المناظرة، بالقدر الذي يتيحه تَخصّص هذا الفصل، مستخدماً مناهج التاريخ وفلسفة العلوم(1) المعهودة.
خصص ميشال فوكو، قبل وفاته بقليل، لمسألة الأخلاق كتابين[1] توج بهما عمله الفلسفي. لكن كم سنفاجأ عندما نعرف أن هذا الموضوع –موضوع القيم- لم يكن غائبا بالمرة في دراساته الفلسفة-التاريخية. صحيح أنه في كتابه الكلمات والأشياء، وفي صفحات جميلة خصها لمسألة الزوج الكوجيطو واللامفكر يقرر أن الفكر المعاصر ليس في حاجة إلى الأخلاق، فـ"منذ القرن التاسع عشر خرج الفكر من ذاته… ولم يعد بعد نظرية؛ فما أن يفكر [هذا الفكر] حتى يجرح أو يوفق، يقرب أو يبعد، يفصل، يحل، يعقد أو يفك، وبالتالي لا يمكن إلا أن يحرر ويستبعد. فالفكر، حتى قبل أن يفرض أو يرسم أفقا للمستقبل وقبل أن يعلن عما يجب القيام به، وقبل أن ينصح وينذر فقط، فليس هو منذ وجوده، وفي شكله المبكر، وحتى في ذاته، سوى فعل، وفعل خطير"[2]. يتبين من هذا القول أن فوكو وقت كتابته لـ "الكلمات والأشياء"، وأثناء صياغته لفقرات الكوجيطو واللامفكر كان يقيم التعارض بين الفكر والأخلاق، ومرد هذا التعارض هو اعتقاده أن الفكر لم يعد يرسم للناس ماذا يفعلون، وفيما يجب أن يعتقدوا، وما الحقيقة التي عليهم أن يتشبثوا بها، وما هو الخط الفاصل بين الحقيقة والوهم[3]. فكل حديث عن الفكر بهذا المعنى لا يمكن إلى أن يعترف بعدم جدوى الحديث عن الأخلاق، لكونها لا تعكس ما يعيشه الفكر المعاصر، وبالتالي المجتمع المعاصر؛ وما يعيشه...
قبل بضعة أيام من اليوم التقيت بصديق لي يشتغل أستاذا لمادة الفلسفة، له نصيب واهتمام كبير في المعرفة الفلسفية، خاصة وأنه يعتبر من الجيل الثاني الذي تخرج من جامعة محمد الخامس بمدينة الرباط، مما جعله ينسج علاقات وطيدة مع أغلب المفكرين المغاربة، وبينما كنا نناقش موضوعا من مواضيع الساعة خارج صرامة الفكر الفلسفي، ابتدرته متسائلا عن أحد أصدقائه المفكرين، حيث كان يتميز بغزارة ونوعية ما يكتب، إلا أنه توقف توقفا غريبا، وهو ما جعلني أتحسر على هذا الأمر خاصة وأن صديقه هذا لازالت أمامه عديد السنين للعطاء، عندها أجابني مخاطبي بأن من نتكلم عنه إنما توقف فقط كي يعود بنفس جديد، وأن من بين مميزاته أنه لا ينغمس في مدرسة فلسفية بعينها أو في فيلسوف بعينه ، بقدر ما أنه يأخذ منه ما يهمه ثم يعرج بعدئذ إلى ما يجب الذهاب إليه، حينها صمت برهة ثم أردف قائلا: صديقي هذا مفكر براغماتي وهو ما نفتقده في مفكرينا المغاربة.
" في الثقافة الأخلاقية، لابد من السعي في سن مبكرة إلى تمكين الطفل من تصورات للحسن أو القبيح. وإذا أردنا تأسيس الخلقية ينبغي تجنب العقاب. فالخلقية هي أمر في غاية القداسة والسمو..."1[1]
تحاول الكتلة التاريخية أن تتدارك الفوات الحضاري وأن تعثر على الجواب الشافي للسؤال عن الهوية وأن ترد على تحديات العولمة وأن تجد طريق الخلاص من أزمة خطاب الهوية التي سببها الإقصاء والحرب. لكنها تقع في كماشة تعثر البدائل وفشل المرجعيات وحالة التخبط الإيديولوجي بين القوى المتنافسة وغياب المشروع الحضاري المتكامل وتعبر عن حاجة ماسة إلى رؤية معمقة للواقع وقراءة تشخيصية نقدية للمجتمع وغربلة فكرية للعقل الذي يسكننا.
مدخل:
لقد حان الوقت اليوم لإعلاء مفهوم المواطنة على حساب مفهوم الدين، وذلك بناءً على مجمل التحولات التي بات يعرفها العالم الإسلامي من سياسية وفكرية وذهنية واجتماعية، والحال أنه انطلاقا من هذا الشأن فقد باتت مشكلتنا الكبرى الراهنة تكمن في كيفية تمثل الدين وفي نظرتنا إليه، حيث أصبحت الطقوس الدينية حكرا على ممارسة نفعية بدل أن تكون نشاطا يسمو بالروح ويهذب النفس، لهذا ولكي نخوض في الأمر أكثر فأكثر فإننا سنعمل في هكذا قول على الوقوف بداية عند نتائج سوء فهمنا للدين، كي نقف تثنية عند استيهاماتنا الدينية وكيف تحول الإسلام من منير إلى ظلام، أو بالأحرى كيف انتقلنا من خطاب منظم إلى خطاب مدمر.
تقوم دعوى منظري التفنيد على أساس أن القضية غير القابلة للتفنيد ليست ذات معنى، وقد شفعوا هذه الدعوى بالمتطلّبات التي اشترطها برتراند راسل لكي يكون للعبارة أو المصطلح معنى.هذا المعنى المشار إليه آنفاً في نظرية راسل الوصفية هو وصف للشروط الضرورية والكافية للعبارة لكي تحدد مرجعيتها الموضوعية.
حينما توقف نبض الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، تلميذ نيتشه وهيدغر، في يونيو 1984 كانت وفاته مفاجئة جدا لأنه مات بسبب مرض لم يكن آنذاك معروفا: مرض السيدا. مات بعد أن وضع بصماته على جبين الحقل الفلسفي الفرنسي وغير الفرنسي من خلال تدخلاته في مجالات ظلت عذراء إلى تلك الحدود: الجنون، الإجرام، الجنس، السلطة، وفاة الإنسان والتاريخ، تفتت الذات لصالح الخطاب…الخ. بعد كتاب تاريخ الجنون أصبح اسم ميشال فوكو مع الكلمات والأشياء (1966) متداولا بشكل كبير في فرنسا وغير فرنسا بعد أن كانت كل الكلمة للوجودية الفينومينولوجية الفرنسية التي هيمنت باسم هوسرل وتعززت بسارتر وميرلو بونتي ما يقرب عن ثلاثين سنة. عرف فوكو الشاب بعشق اختراق الحدود وسبر أغوار الجوانب المظلمة للمتاهات المرتبطة والملتصقة بالإنسان باعتباره كائنا في العالم بتعبير هيدغر أو كائنا من أجل الموت بتعبير سارتر. لكن، فوكو لم يكن يرغب في أن يشتهر اسمه ولا أن تردد الخطابات الفلسفية اسمه باعتباره منتجا لخطاب فلسفي متميز. كان يود أن يغادر فضاء الذات المنتجة أو على الأقل وهم الذات المنتجة حتى ينتصر لموقفه الرافض لفكرة أو مبدأ المؤلف Auteur.
استهلال: