مفهوم الأنا.. تحديدات أولية ـ محمد الحوش
تصدم الأنا من سؤالها عن أناها، أولا لأنها لا تتوقع عدم المعرفة بذاتها وهي التي تعيش في ثناياها طول الوقت، وربما في علاقة سرمدية تمتد من الأنتربولوجي العميق إلى المستقبلي الذي لا تستطيع توقع حدوثه إلا من خلال أحلامها وآمالها. وثانيا لأنها لا تتصور التصريح للأخر بمكنوناتها، هذا الآخر الذي ينطبع في هذه الحالة في آناها هي بالذات، أي أنها السؤال والذي يتلقى الجواب في نفس الوقت. وبالتالي للعب داخل هذه الوضعية يجب على الأنا أخذ مسافة من أناها، وهكذا أفعل الآن، على الأقل اعتقادا مني... إذن أنا من أنا؟ .
نصرح مبدئيا بصعوبة الإجابة ليس استسلاما وهروبا، ولكن لأن الهروب بالتقدم أو التأخر نحو... من الوظائف التي تشتغل من خلالها الأنا، وأيضا لأن خلاصة ما اقرته المدارس النفسية في موضوع الأنا والنفس في شموليتها، قد نلخصه في صعوبة معرفة انا الآخر، وادعاء معرفة الشخص لأناه لا تعدو أن تكون معرفة بالملامح التي يرغب أن يكونها أو على الأقل بعضا منها.
ليس ابن رشد بغائب عنا هذه الأيام، بل قل إنه أكثر حضوراً في آننا من زمانه.
" لقد رأيت ألم شعبي المتواجد في بلاد مصر، وسمعت أيضا الصراخ الذي يدل على اضطهادهم، ما دمت على دراية بآلامهم"
لا جدال في أنّ هناك جدليّة قائمة بين الموقف من حدث ما- بما هو ردّة فعل في علاقة بإعجاب الإنسان أو مقته لهذا الحدث- والصورة الإيجابية أو السلبية التي يخلّفها لدينا هذا الحدث في علاقة بالزمان والمكان. ذلك أن إختلاف الزمان أو المكان- بما هو اختلاف للظروف- قد يجعل الإنسان يغيّر موقفه من النقيض إلى النقيض، أو على الأقلّ يعدّله ليكون أكثر عقلانيّة و موضوعيّة ورصانة. ومعلوم أنّه خارج إطار الدين، لا أحد بإمكانه الإدّعاء بأنّه يمتلك الحقيقة المطلقة. لأنّ الثابت أنّ هناك حقيقة متعدّدة ونسبيّة لا حقيقة واحدة ومطلقة. لذلك إختلف الفلاسفة في تعريف الحقيقة فنظر إليها "أفلاطون" كواقع مفارق لعالمنا الحسّي، واعتبرها "أرسطو" كواقع محايث -أي أنّها موجودة في العالم الحسّي وليست مفارقة له- ونظر إليها "ديكارت" باعتبارها مطابقة الفكر لمبادئه الذاتية. ( أنظر المعجم الفلسفي لأندري لالاند(André Lalande ).
قد يكون مستحيلا أن أعود أدراجي إلى الوراء عبر ماضيي الذي مع ذلك أقبع فيه و يشكلني، و عبر التاريخ و الزمن الذي يلتهم في طريقه كل شيء، حيث أبدأ من بداياتي و أتنبه بيقظة شديدة لكل المنعرجات و الدروب و الأماكن و الأغوار و السلط، و أرهن روحي و فكري و جسدي لمعرفة الحقيقة و تلمسها و القبض عليها حتى لا تنفلت منا، و أخلص نفسي و العالم، من مآسي الأوهام و التيه الذي يكتسحنا و يقض مضجعنا و الجهل المطبق بما نحن فيه و عليه و بمن نكون و لماذا نحن كذلك و ما السر في الوجود و الموجود بهذا الشكل..
" من صفد إلى بغداد ثم دمشق أخيرا. رحلة شقاء محفوفة بالخطر وثقل الماضي المهين، كل هذا كان محمولا على كاهل النفس التي تدمَّت يوما وما اندمل الجرح بعد، وكان ختامها الطرد."
"إن إرادة التوصل إلى معرفة أكيدة ترتفع فوق الرأي الذاتي ليست كافية لوصف ما نفهمه بالمعرفة العلمية." [1]
في الآنا يسكن الآخر ـ محمولا في اللغة التاريخية التي تتلقّنها ـ ذلك ما يجعل الآنا تدرك/تؤسس/تحدّد علاقاتها الوجودية. علاقة الآنا غير محكومة بالآخر، إنما انفتاح باستمرار نحو الآخر، تتجاوزه إجرائياً كل مرة، وتشمل أبعادها الوجودية المفتوحة في اللغة والحب والعيش وما سواه. حيث لا يصبح الآخر مرحلة انغلاق، وتظل الآنا قادرة على صنع اختيار.
" إن المبدأ التفسيري لحركة جميع الكائنات الحية هو الروح، فإذا قرر إنسان ما أن يجلس أو أن يقف، فإن مرد ذلك إلى الروح، من ثمة فالروح هي علة هاته الحركة." ـ أرسطو ـ
" إن أمر الحسن أدق وأرق من أن يدركه كل من أبصره"1[1]