الفنان بين اتساع نطاق التسمية وتقلص رقعة المعنى ـ د.زهير الخويلدي
" الفنان الحر... ينوء بعبء مهمة تجعل منه شخصية ملتبسة"[1]
لا يخفي على أحد تراجع الإبداع والجمال ، ولا يمكن انكار ندرة الإنتاج الثقافي الحامل للمعنى والمعبر عن القيم المطلقة والروائع الخالدة. ولقد أثار هذا الوضع الفني المتأزم أكثر من علامة استغراب حول أسباب تراجع الاهتمام بالذوق والابقاء على روعة الجمال طي الكتمان ، وقد تساءل الناقدين حول تأثير التقنية والتجارة ووسائل الاتصال الحديثة في تفجير أزمة الانحطاط وتمزيق الصورة الناصعة للفنان التي تشكلت مع الحداثة الجمالية وحول الظروف التي هيئت تجفيف منابع الابداع وأدت الى انتشار الرداءة في أروقة الفنون وأصابت النفوس بالجدب والتصحر والتعثر في الارتقاء بالوضع البشري إلى مستوى الكائن الثقافي والشخصية الخلاقة. لقد حاول بعض الفنانين في الحقبة المعاصرة التمرد على السائد والخروج من الأنماط الصارمة والقوالب الجاهزة وبذلوا جهودا لكي يتفادوا السير في المتاهات وانخرطوا في أفعال مواجهة القبح الطبيعي اليومي، وقاوموا ظاهرة اختفاء الجمال في الأعمال الفنية من جهة المبدع والمتلقي.
في هذا الإطار اهتمت الإستيطيقا المعاصرة بنفسية الفنان واعتبرته الفاعل الفني الأول وصاحب الدور الفعال والايجابي في تجربة الخلق الفني وأسندت له صفات الإلهام والعبقرية ونظرت اليه بإعجاب وثناء . أما علم الجمال...
هل نحتاج فعلا للدين كي نلبي حاجاتنا الروحية؟ وهل يعتبر الدين بصفة عامة مقنعا بخصوص لغز تفسير الكون؟ هل للحيوانات دينها على غرار البشر؟ أم أن العقل الذي يتميز به الإنسان هو أكثر تقبلا للدين، بما أنه يتأسس على أرضية الإدراك والوعي والتمييز؟ عندما نتأمل هاته الأسئلة التي بين أيدينا، نجد أنها تدعونا مباشرة إلى فهم الدين، إلى الوقوف عند غايته، وإلى العمل على فك بنيته التي يتأسس عليها، لسبب بسيط هو أن الإنسان لم يستطع أولا أن يتفق على دين واحد، كما أن هناك من الناس من لم يقتنع بأية ديانة ولا أي اعتقاد، في مقابل ذلك نجد أن الدين الواحد ما يفتأ يتأسس على تفاسير مختلفة يكاد الواحد منها يقتل الآخر، مما يسبب تطاحنات داخلية بين أناس يقتلون باسم الدين، وإن كان هذا الأخير قد ظهر ليس من أجل القتل وإنما من أجل نبذه لا غير.
" ان الصورة علامة تتمثل في كونها خاصية قابلة للتأويل"1
على الفلاسفة أن يعيدوا ترتيب العالم بعد أن وصل إلى ما وصل إليه اليوم، مثلما أعادوا ترتيبه في عديد الحقب مانحين للإنسان نفسا آخر، وروحا أخرى، ومنهجا جديدا لإدراك الوجود وتفسيره وتأويله أيضا، ربما أصبح سؤال : إلى أين يسير العالم؟ سؤالا ملحا وبكثير من الحذر في الخوض فيه، فلنتأمل مآلات الإنسان على أصعدة عدة، كي نجد أنفسنا أمام الانخراط في هاته الدعوة، ولنعد لبنية العالم أيضا كي نلمس هذا التغيير السريع، بناء على جملة من مظاهر ذلك، كالتعصب الديني، والحروب فارغة المغزى، والثلوث الذي يصيب كوكبنا في كل آن وحين، ناهيك عن التقلبات المناخية، وأزمة القيم، ونذرة الماء...
سأل غربي عربياً عن أحلامه. أجابه العربي بأنه يحلم بعمل وبيت وسيارة، ردَّ الغربي متسائلا كتوضيح بأنه سأله عن أحلامه وليس حقوقه ! هناك شبه إجماع عربي على أن أحلام هذه الفئة (العرب) تتحقق بالبلدان الغربية أكثر منها في بلدانها العربية. ذلك ما يفسر نسب انتحار العرب والأفارقة على شوطئ المتوسط.. طبعا إذا كان الانبهار بالغرب ناتج من مخيلة شريحة اجتماعية لا تتجاوز قدرتها الفكرية سن طفل في الثامنة من عمره ـ يؤمن بملاقاته يوما ما لسلاحف النينجا ـ فذلك أمر متقبل ومفهوم؛ أما أن تأتي هذه الهلوسات من جانب مفكر له تأثير سياسي كبير ومختص بمعالجة الهلوسات فكريا ومقاليا ـ نسبة للمقال المكتوب ـ فهذا يكشف عن اختلاط أدوات المفكر في تطرقه لموضوع أيديولوجي حساس.
تمثل ترجمة الأستاذ محمد إبراهيم عيد لمؤَلف الفيلسوف إيهاب حسن (دورة ما بعد الحداثة)، شكلا من أشكال المجازفة الفلسفية والأبستمولوجية والميتودولوجية المنهجية،وذلك لطبيعة التداخل الإشكالي والمفاهيمي المعقد بين المصطلحات الفلسفية من جهة؛ والمصطلحات الجمالية والميتا-جمالية في خطاب ما بعد الحداثة من جهة أخرى.
ظل الفكر الفلسفي قديماً وحديثاً، فكراً نقدياً، يعمل ويشتعل كما تشتعل النار في الهشيم، رغم محاربته ينبعث من رماده، لمحاربة التسلط، وإنارة العقول، من خلال منح العُكاز للقاصرين فكرياً. لذا صار هذا الفكر ـ الفلسفي ـ نقمة على ابن رشد، بعدما كان نعمة، أيام لقائه بأمير المؤمنين أبي يعقوب، فأمره هذا الأخير برفع القلق عن عبارة أرسطو، كانت هذه اللحظات جميلة في حياة ابن رشد إلى حدود توليه طبيباً بعد رحيل ابن طفيل، الذي كان يشغل هذا المنصب. لكن النقمة على ابن رشد ستظهر عندما قرّر الخليفة يعقوب المنصور الموحدي، إلحاق الأذى بابن رشد وجماعة من العلماء، فأصدر منشوراً يتهمهم فيه بتهمة الانحراف عن الدين. في هذا المنشور رسالة واضحة إلى العوام، ونحن نعلم أن ابن رشد العدو اللدود للعوام (العامة)، يقول فيها المنصور "ومن عُثر له كتاب من كتبهم [ابن رشد وباقي العلماء]، فجزاؤه النار التي يعذب بها أربابه.."[1].
يُقال، لا شيء يفتح الأبواب كامرأة جميلة، رائعة، أو "فوغميدابلوه" ـ كما يتغنى بذلك البلجيكي ستروماي. إن الجمال سلاح ـ يرى المغني الفرنسي سيرج غينسبور بأن "الجمال هو الانتقام الوحيد للنساء"، هاهنا المفتاح الأول : ورغم أن الجمال أحيانا لا حظ له، فهو يظل أفضل من حظ بلا جمال : مزيف ومؤقت (لأنه مصبوغ فقط بالجمال).
لا خفاء في أن من بين المواضيع التي وجب أن تنال الحظ الأوفر من التمحيص والمساءلة والشرح هو تلك العلاقة التي تربط بين الدين كدين، أي المعرفة العقلية بالله الصادرة من الإنسان والمبنية على الإدراك الواعي والخالية من الوسائط، والدولة كفكرة مرتكزة على روح القوانين، وقوة المؤسسات، بالإضافة إلى رسم حدود ثنائية الحق والواجب، سيبدو لنا الأمر في أول وهلة واضحا لا يحتاج إلى زخم التفاسير والقراءات، بيد أن مشكلنا اليوم ليس يكمن إلا في سوء فهمنا للإثنين وذلك عندما نتأمل واقعنا من المحيط إلى الخليج، وكيف أن الدراسات والإحصائيات تكاد تجمع إن لم نقل كلها على أن الاستبداد وغياب روح القانون لصالح الشطط في استعمال السلطة، وتسجيل نسبة كبيرة جدا من الفساد والرشوة، هم ديدن ولسان حال واقعنا، الدين هو الآخر وفي نفس الصدد يستأثر بهكذا مفارقة من خلال ما هو منصوص عليه في الكتب وبين ما يُتداول، أي بين الدين كنص رسمي وبين استيعاب الثقافة للدين، حيث نقف على مفارقة كبيرة مفادها أن من أكثر الشعوب تدينا هم أكثر الشعوب المعروفة بالغش والرشوة وارتكاب ما تم منعه وتحريمه في الكتب، في تطبيق كبير لتلك القاعدة التي تعتبر أن كل ماهو ممنوع مرغوب....
مثلما اكتسح "اللوغوس" حلم "الميثوس" وبخس أحلام الشعراء مقيما جمهورية تتفاضل فيها الفئات بحسب طبائعها ومعادنها، ووفق خصائصها النفسية، أو بحسب جنسها ذكرا أو أنثى ،فإنه قد كرس عنصرية بين الحضارات وفق مقياس تمدنها أو توحشها.
ستنصب هذه المقارنة على الجوانب النظرية للجدل عند الفلاسفة والأصوليين خارج إطار تطبيقاتها. طبيعي أن تتعدد الأنماط الحوارية، إذ الحوار من المشترك اللفظي الذي إذا أطلق دل على أكثر من مدلول. ولذا فتحديد المفهوم يسهم بشكل كبير في تحديد نوعية التفاعل الحواري، فيمكن أن يكون قريبا من المناظرة أو من الجدل أو من السفسطة وذلك بحسب طبيعة الموضوع والقصد منه والظروف المحيطة بعملية التحاور. وبناء على ذلك، يمكن وضع المناظرة في أعلى سلم الترتيب يليها الحجاج فالجدل ثم السفسطة التي توجد في أدنى درجات التفاعل بين الطرفين([1]). ورغم هذه الاختلافات، فإن القاسم المشترك بين مختلف التفاعلات الحوارية هو استحالة تحققها بدون وجود طرفي أو أطراف الحوار. وغني عن البيان أن انتصاب فرد ما للدفاع عن أطروحة معنية يتم بالحجاج، لأن تنكب سبيله يعني التوسل بما هو مذموم عند العقلاء على السواء، فالآليات الحجاجية هنا تعادل الطريقين التجريبي والاستنباطي في المجالين الفيزيائي والرياضي، وحتما افتقاد الحجاج في ميدان القضايا الاحتمالية يؤدي إلى تنامي النزوعات اللاعقلية من عنف وقمع... ([2]). ومن المفيد التذكير بأن كل فعل يتوخى كسب الميل يسقط خارج حقل الحجاج بمقدار عدم توسله باللغة كأداة للتفسير والإقناع([3]).