صورة الآخر ـ نادية عبد الجواد
لا تخلو لغة من الضمائر و لا تخلو الضمائر بدورها من الإحالة إلى ثلاثة : ضمير المتكلَم "أنا" و ضمير المخاطب "أنت" و ضمير الغائب "هو" . هكذا قدَ الخطاب و هو في الحقيقة ما به يبني الإنسان علاقته بالعالم إذ أننا نفكَر داخل اللغة أو لكأن العالم لغة. غير أن الإشكال لا يتعلَق بالضمائر و لا بطبيعة الخطاب بل بطبيعة العلاقة التي تربط بين هذه الضمائر الأساسيَة فمن يقول "أنت" أو "هو" إنما يميَز بذلك بينه و بين آخر ليس هو و بالتالي يتعلَق الأمر أساسا بهذا الذي يقول "أنا" فيضع بينه و بين العالم وسائط تختلف باختلاف العلاقة بين الأنا و الآخر. فمن هو هذا الآخر الذي نشير إليه لغة بكل ما تحمله هذه الكلمة من عمق أنتولوجي و فينومينولوجي ؟ و بأي وجه نقصد الآخر ؟ ألا تجعل منه هذه القصديَة صورة ؟ فما شكل تجليات هذه الصورة؟ ألا يعني بذلك أن الآخر لا يوجد إلا إذا أشار إليه الأنا و بالتالي يصير الآخر صورة مسقطة للأنا ؟ ألا يمكن أن يتحرر الآخر من ربقة الصورة فتمَحي الفواصل الرمزيَة و هذا ما نجده في أقصى العلاقات الإنسانية اشتباكا كالحب مثلا ؟
عمليا، لا يوجد في الفكر المعاصر عمل يشبه مؤلفات هابرماس، من ناحية طابعها المعماري وقدرتها على التعبير النقدي. أفقها الأكبر هو الوصول إلى سبر كنه التوسع الاجتماعي للعقلانية في العصر الحديث، وهمها النهائي ليس شيئا آخر في العمق سوى تأسيس فضاء الديموقراطية على أسس عقلانية، خالية من أي تجذر متعال. يتميز تصور الحداثة الذي يخترق أعمال هابرماس بالتأكيد على القطيعة العميقة بين الوحدة الأولية للعالم وبين الإنسان، ويتميز في نفس الوقت بإرادة دائمة للوصول إلى اندماج غير مرضي للمجتمع، عن طريق استعمال العقل. تأتي العقلانية من تمزق وحدة العالم، ولكنها هي، وهي فقط، التي ستسمح للمجتمع الحديث بأن يصل إلى تعبير جديد. يرى هابرماس بأن تاريخ النظرية السوسيولوجية، بعد ماركس، ليس شيئا آخر غير تاريخ انفصال نظرية معينة حول الحركة عن نظرية حول المنظومة، الشيء الذي أدى إلى العجز عن إدماج هذين النظامين داخل مفهوم معين عن المجتمع، قادر على التعبير عن المنظومة والعالم المعيش.
في كتابه العقل السياسي العربي،حاول الجابري بيان محددات الممارسة السياسية و تجلياتها في الحضارة العربية الإسلامية و امتداداتها إلى اليوم.
بمجرد أن أكد العالم الإغريقي الشهير أرسطارك دو ساموس مركزية الشمس بدل الأرض إبان القرن الثالث قبل الميلاد، حتى اتهم الرجل بالهذيان وبالتفوه بأشياء لا يقبلها العقل أبدا، عندها وضع أصابعه على فمه واختفى دون سابق إنذار، حيث بقي التقويم البطليمي هو المنتصر إلى أن جاء عالم فارسي اسمه عمر الخيام، معيدا النظر في ما جاء به بطليموس، مشككا في عديد الأمور خاصة شكل الكرة الأرضية وحساب التقويم السنوي مما جعله من بين مهندسي السنة الكبيسة، إضافة إلى إعادة التقويم الغريغوري، ناهيك عن حساب التقويم الفارسي في عهد الملك ملكشاه خلال القرن الحادي عشر، بعد كل ما أوجده الرجل انتهت حياته باتهامه بالإلحاد فاختفى موروثه العلمي، ومعه لم نتمكن من تأسيس مدرسة قائمة بذاتها في الفلك والتي كان يحلم بها عمر الخيام طيلة حياته.
تقـديم
" ليست الميتافيزيقا فيزياء شديدة التميز ، لو كانت هذه الفكرة السهلة صحيحة لما كان لدينا الا الاختيار بين الثرثرة الدوغمائية وتهكمات الواقعية"1[1]
من النافل القول أن الأديان بكل منابعها ومرجعياتها وأنساقها العقدية منها أو الفكرية، تتفق حول شيء مشترك بينها ألا وهو تنظيم العلاقات بين الأفراد تفاديا لغلبة النزوع الطبيعي الإنساني الميال إلى العنف والوحشية، من ثمة نجد أن الأديان وعلى عكس العلوم والآداب القائمة على فهم وتفسير الكون والإنسان، تتأسس على منطق الوعد والوعيد إضافة إلى الموعظة والصبر والجزاء والنعيم... بيد أن بعض التداخلات التي أحدثت بقوة المنطق وسطوة الواقع، جعلت هاته العلوم تجد رابطا بينها وبين الأديان وإن اختلفت الرؤى والمرامي والغايات، والحال أن الفكر الفلسفي لم يكن إلا خير أنموذج بقدر ما وجه سهامه النقدية إلى عديد القضايا، بقدر ما أعاد قراءة الدين إن بغرض فهمه وهو الغالب، أو بغرض نقده وما أكثره، أو بغرض إعادة قراءته وهو السائد اليوم.
إننا لا نفكر بعد في ماهية الممارسة بشكل حاسم، لذا فنحن لا ننظر إليها إلا باعتبارها نتاج أثر تكمن حقيقته الثمينة في ما يسديه من خدمات وصلاحيات. هذا في حين أن ماهية الممارسة تكمن في الإنجاز، والإنجاز معناه: بسط شيء ما في تمام ماهيته، وبلوغ ذلك التمام، بحيث يكون الإنجاز هو الإنتاج بمعناه الأصيل.
أي فيلسوفنا المأمول حلوله قريبا، اعلم أننا لا زلنا ننتظر إطلالتك علينا وجديدك حول قضايا واقعنا القابع في واقعيته المفرطة لدرجة الجمود المطلق، فأنت الذي سينقذنا لا محالة من تشردنا الفكري، وتبعيتنا السياسية والاقتصادية، واطمئناننا إلى الهزيمة استسلاما لها بدل قتالها بكل بسالة، وأنت كذلك من سيعلمنا كيف نقرأ ما جادت به قريرة معلمنا وجدنا أرسطو، وكيف أن منطقه وإن عرف اهتزازاته الكبيرة فإننا لازلنا في حاجة كبيرة إليه، لازلنا في أمَسِّ من يعلمنا كيف نفكر تفاديا للعِصْمَةِ من الزّلَلِ، سعيا إلى اكتشاف سحر العقل وإمكاناته التي ما إن تنتهي حتى تبدأ من جديد.
في أن أحلامنا ليست لنا ..
صدر مؤخرا عن المكتبة الفلسفية بلوفان ضمن سلسلة عددها 93 مؤرخة بسنة 2015 وتحت إشراف J.-M. Counet, كتاب جماعي يحتوي على 913 صفحة ويضم تغطية شاملة لأشغال المؤتمر الفلسفي العالمي للجمعيات الفلسفية الناطقة باللغة الفرنسية رقمXXIV الذي احتضنته مينتي بروكسال ولوفان من 21 إلى 25 أوت سنة 2012 حول مسألة المواطنة la citoyenneté من زاوية فلسفية متنوعة .