الحداثة وما بعد الحداثة : تثبيت الأصول أم كسر النماذج؟ ـ سعيد المتدين
… كما أنه طالما وجدت كلمة "حداثة Modernisme" والبادئة التي تعني (ما بعد) "post" فمن الممكن أن يتحدث البعض عن "ما بعد الحداثة postmodernisme" كمفهوم جديد يعقب الحداثة في الزمان والمكان ويبحث عن كل ما يناقضها ليعلن صراحة عن أطروحته المركزية الضامنة لشرعيته الفلسفية، ألا وهي "موت الحداثة.
ظهرت فكرة الحداثة كمفهوم فضفاض وكمشروع ضخم ارتباطا بانطلاق العقلانية الغربية وتفاؤلها ونزعتها المركزية، فاقترنت بالتجليات الأساسية لانتصار العقل الأداتي وسلطته، مما أسفر عن جملة من المغالطات والتعسفات كانت أساسا لولوج الحداثة مرحلة الأزمة.
إن التأمل في ثوابت الحداثة من داخل إطارها المرجعي يفتح مجالا واسعا وخصبا من التساؤلات والإثارات النقدية التي تقف بوضوح شديد على مواضع الأزمة والقصور، وهذا ما يفسر كون الفكر الغربي عاد في المرحلة الثانية وهي مرحلة المراجعة والتصحيح إلى إخضاع المطلقات السابقة للنقد.
يعتبر التوجه النقدي جزءا من الوعي الحداثي وجانبا مهما من تفكير الحداثة، لذلك كانت الحداثة نقدا ذاتيا يسهم من زوايا متعددة في تصحيح المسار وتثبيت الأصول، ومن ثم فإن هذا النقد الذي تمارسه الحداثة على ذاتها ينطوي على خلفية أساسية تكمن في الدفاع عن مشروعها والوصول به إلى نقطة التوازن....
"
أصبحت الإشكالية اللسانية linguistique la problématique احد أهم الانشغالات المركزية، إن لم تكن الرئيسية، خاصة في الفلسفة غير الماركسية في القرن العشرين. فمجمل القضايا والمشاكل التي يدرجها النقد الماركسي عادة تحت مسمى " الفلسفة الدَّلالية philosophie sémantique " تؤسس لظاهرة شديدة التعقيد والتنوع للغاية، على خلاف ما تبدو عليه في الظاهر. ولغرض التثبت من ذلك، يكفي تتبع الاتجاهات الفلسفية السائدة كما نلمحها في كل من: النزعة الرمزية لمدرسة الفيلسوف الألماني إرنست كاسيرر والمرتبطة بتيار الكانتية الجديدة؛ والنزعة التجريبية المنطقية لحلقة فيينا المقترنة بتيار الوضعية المنطقية؛ والنزعة الذرية المنطقية للفيلسوف الانجليزي برتراند راسل ومدرسته التي تجمع بين المدرسة التجريبية الانجليزية وبين النزعة الأفلاطونية على حد سواء؛ أضف إلى تلك التيارات أيضا، كل من: الفلسفة اللسانية لمدرسة أكسفورد المعاصرة والمستندة على طروحات الفيلسوف النمساوي فيتجنشتاين؛ وكذلك تيار التحليل الدَّلالي لمدرسة لفوف-وارسو Lvov et de Varsovie البولونية التي تعود في أصولها إلى كل من الفيلسوف الألماني النمساوي فرانز برنتانو والى المذهب الوضعي...الخ من الاتجاهات الفلسفية الأخرى الشائعة، والتي طرحتُها على سبيل المثال لا الحصر، منتخبا منها ما هو فلسفي وما هو حامل لخاصية...
قد لا يسعنا اليوم إلا أن ندعو الجميع إلى إحياء نقاش قديم جديد والذي ليس إلا طلب الانخراط في مناقشة سؤال الحداثة وفهمه، الغريب في الأمر أن أغلبنا يحكم على أشياء عديدة جدا، دون أن يعرفها سلفا، ودون اطلاع منه ولو على جزء بسيط منها، صحيح أن لهاته الأحكام العمياء أسبابا كبيرة يمكن حصرها أساسا في التعصب للرأي، والجهل بالجهل، والخوف من التغيير بما أننا نقف على أرضية جد هشة... والحال أن الحداثة قد تنزلت مما ذكرناه آنفا منزلة الحجر من الزاوية، خاصة وأنها باتت لغزا بعدما كانت الوضوح في أرقى صوره، وتحولت إلى عدو بعدما بناها رجالاتها كصديق للإنسان ومخلص له، من التبعية العمياء والاستبداد الفكري والسياسي...
الإنجاز، سلوك عملي ،يقوم على فعل يمارسه الإنسان لتحقيق منفعة يصيب أثرها الذات الفردية المنجزة للفعل، أو الذات الجماعية المنجز لها. و يرتبط السلوك الإنجازي في الصورة الذهنية، بمنجز، يحظى بقيمة نفعية مخصوصة، و قد يكون فكريا، أو اجتماعيا، أو سياسيا أو اقتصاديا، فيقال، إنجاز فكري عظيم، إنجاز اقتصادي عملاق، إنجاز سياسي فريد. إنجاز علمي مدهش .و بقول أخر، الإنجاز، سلوك مخصوص، يحكمه التدبير العقلاني المبني على سجايا مخصوصة ،قائمة على قاعدة نظرية مخصوصة، عصبها الفكر الخلاق. و معنى ذلك، الفكر العلمي المنتج باعتباره قاعدة و أساس الإنجاز البناء. إذ كلما ازدهر الفكر و نشطت الفعالية المعرفية السائرة على هدي نور النظر العقلي و حصافة المنطق، إلا و تحقق فعل الإنجاز على الوجه المطلوب. و هو ما يفسر جدلية العلاقة القائمة بين فعل الإنجاز ببعديه النظري و العملي. و لعلها الحقيقة التي سار على هديها العقل المنجز الذي حقق سبقا و تفوقا على المستوى ألإنجازي. و على هذا الأساس يمكن القول إن الإنجاز ممارسة عقلية راقية تحكمها قيم و قناعات و خبرات و مهارات تمثل ذخيرة تسمى ثقافة الإنجاز. و الجدير بالذكر في هذا المقام أن بناء ثقافة الإنجاز ليس بالعمل الهين بل مشروعا ضخما يرتبط تحقيقه بثابتين جوهريين:...
" ان الكائن البشري ينطوي على استعدادات للتحول الذاتي تتنبه في حالات الأزمة عندما تأخذ الأشياء المتصلبة في التفكك في مواجهة المخاطر."1[1]
لماذا نخاف من الحقائق أو بالأحرى من بعض الحقائق؟ بل ما هي الحقيقة؟ وهل هناك واحدة أم أن الحقيقة متعددة بتعدد مواضيعها؟ الحال أننا ملزمون أولا بفهم دلالة الحقيقة، ثم بعد ذلك سنحاول الإجابة على الأسئلة المذكورة أعلاه لكن ليس من جانبها الفلسفي الصارم الذي يجرد مفهوم الحقيقة، بقدر ما سنحاول قراءة الحقيقة والخوف من الحقيقة انطلاقا من واقعنا المعيش، معتمدين على الخصوصية التاريخية والثقافية أيضا.
مشكلة التاريخ:
" الاحتكام إلى الذوق السائد يفتقر إلى الطبيعة الحقيقية للذوق"1[1]
أن نحصر دائرة الحوار في الفكرين الفلسفي والكلامي في الإسلام لا يعني البتة التقليل من شأن العلوم الإسلامية الأخرى في هذا الباب. من ميزة الاستبصار الوئيد التذكير بأن علم التصوف الذي عارض كل محاولة لتقريب السر الإلهي بالنظر (فلاسفة، معتزلة...)، نجح في تجذير خطابه في البيئة الإسلامية وتكثير مريديه وأتباعه بالرغم من غموض لغة المتصوفة وغرابة بعض أفكارهم ونهلهم من المصادر الغنوصية، وعواصة طريقهم الذوقي بحيث لا يقوى على تحمله وقطع جسوره إلا من سكنه عشق الوصول([1]). ولا بدع من ضرورة التمييز هنا بين التصوف من حيث هو فكر وعلم، والطرق الصوفية من حيث هي ظواهر اجتماعية مكتنزة بتمثلات للقداسة وما يتعلق بها من شعائر وطقوس.
للإجابة على هذا السؤال القديم الجديد، أو بالأحرى هذا السؤال المباشر الذي بقدر ما يخيف البعض، بقدر ما يزرع بذرة الحياة في البعض الآخر، لا بد أولا من الخوض في دواعي طرحه بدءا من كانط في ألمانيا إلى ميشيل فوكو بفرنسا، سؤال ما الأنوار؟ يطرح غالبا لسببين رئيسيين، أولهما الوقوف عند حالة القصور بمختلف أنواعه التي يمكن أن تصيب الفرد والجماعة على حد سواء، أي أنه سؤال يرتبط بالخصوصية وليس بالجانب الكوني، يرتبط فقط بالذين انخرطوا في الأنوار وليس مستهدفا نحو عقول الذين لم يستوعبوا الأنوار بعد، بالإضافة إلى الذين تجاوزوه، إنه دعوة لاستيعاب ما يحصل من تغيير إن على المستوى الفكري السياسي أو الاقتصادي... أما السبب الثاني الذي من خلاله نطرح هذا السؤال، فإنه يتجلى في العمل على إيقاظ الذين يعيشون حالة السبات القصوى، على تلقينهم أبجديات الحق والواجب، بيد أن الجامع المانع بين النوعين يكمن في أخراج الفلسفة من طابعها التجريدي الصارم، نحو خوضها في قضايا المجتمع، خاصة فلسفة الحق وفلسفة التاريخ وفلسفة الأخلاق ثم الفلسفة السياسية.