تساؤلات نقدية حول التربية والتعليم :هل هما في وضع تطابق أم يعيشان حالة تباين؟ ـ زهير الخويلدي
" تشكل التربية النقطة التي يتقرر فيها ما اذا كنا نحب هذا العالم بما يكفي لنتحمل مسؤوليته"
استهلال:
شاع خلط كبير عند عامة الناس بين التربية والتعليم واعتبر التقريب بينهما معطى بديهي ومسألة متداولة وهذا صنيع غير مفهوم وأمر غريب نظرا للاختلاف التخصصي بينهما وانتماء الطرف الأول الى دائرة الأخلاق والطرف الثاني الى دائرة المهنة وقد عززه وقوع غالبية العلماء والمفكرين في نفس الحكم المسبق وهو أن كل فعل تربوي يرتكز بالضرورة على تجربة تعليم معمق ومتدرج وكل مراحل تعليمية يمر بها الانسان تفضي الى امتلاك المرء لتربية متوازنة وعقلانية. لكن التعليم قد يعني التكوين والتبليغ والتلقين وتصنيع الذكاء واكتساب الخبرة في مجال معين والمهننة، أما التربية فقد تطلب الآداب والتنوير والاضاءة والتثقيف والصلاح وتعني السمو الروحي والارتقاء الأخلاقي والتحلي بالفضيلة وطلب الخير.
فما مرد هذا الخلط بين التربية والتعليم؟ وماهي الوسائل الكفيلة بالتمييز بينهما؟ وما المقصود بالتربية؟ وماهي مميزات التعليم؟ وماذا لو شخصنا المسالة التعليمية عند العرب ؟ وكيف نفسر الوضع التربوي اليوم؟ وهل يمكن الحديث عن أزمة حقيقية يمر بها هذا القطاع؟ وماهي أسباب هذه الأزمة؟ وهل يمكن تصور بدائل ومخرج منها تبعث على الأمل وتحفز نفوس الناشئة على الفعل وعلى الابداع؟ وماذا يمكن للتفكير الفلسفي المعاصر أن يقدم بهذا الصدد؟ وما العمل لكي تتفادى التربية السقوط في هاوية التقليد واعادة انتاج النظام القائم؟ وكيف نتفادى تحول سلطة
استهلال :الحادثة الأولى : وقعت في فرنسا سنة 2009 وتتلخص وقائعها في تقديم أستاذة تاريخ من أصل يهودي ، " كاترين فانتورا " ( Catherine Ventura ) مشروعا لإدارة معهد " هنري لوريتز " (lycée Henri – Loritz ) يهدف إلى تمكين 144 تلميذا من زيارة معسكرات إبادة اليهود(المحرقة ) ببولونيا ولكن المديرة لم توافق إلا على 80 تلميذا بعد أن اعتبرت العدد المقترح مشطا ويستدعي مصاريف باهظة ( السفر ، الإقامة التأمين ...). هذا القرار أثار حفيظة الأستاذة التي استغلت زيارة وزير التربية للمؤسسة وحرضت تلاميذها على تنظيم احتجاج ، مما استدعى فتح تحقيق في الغرض انتهى إلى إدانة الأستاذة وإيقافها عن العمل لمدة أربعة أشهر بسبب إخلالها بواجب الحيادية ( la neutralité)[1] وسعيها المتعمد لاستغلال التلاميذ وغسل أدمغتهم عبر تخصيص الجزء الأكبر من وقتها لتنظيم الرحلات على حساب مكونات ومضامين البرنامج الأخرى.[2]
"تمثل التربية أعظم و أعوص مشكل يمكن أن يطرح على الإنسان."إيمانوال كانط
فـي المغرب لم يعد هناك مـا يُـضْـحِـكُ أو يُــفْـرحُ في مجـالِ التعليم، كما هـي الـحالُ طبعاً في قطاعات تُـنْـفَـقُ فيـهـا الـعديدُ من أمـوالِ الشعبِ.
في معرض مقاربته للسياسة التعليمية منذ الحماية الفرنسية حتى منتصف الثمانينات , يورد الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه " التعليم في المغرب العربي " إشارة طريفة حول التدبير الحكومي للإقبال الهائل على التعليم غداة الاستقلال , فيقول " إنه الإقبال العارم على التعليم الذي اكتسى صورة ضغط شعبي هائل يهدد بالانفجار .فكيف عالجت الحكومات الوطنية هذا المشكل ؟ لم يكن هناك من خيار , لقد كان لا بد من قبول أكثر ما يمكن من التلاميذ في المدارس و استعمال جميع الوسائل الممكنة و أهمها نظام التناوب , ونصف الحصة مما مكن من استعمال الحجرات الدراسية القائمة و المستحدثة بصورة مضاعفة , وايضا اللجوء إلى توظيف كل من "يُحسن" القراءة بالعربية أو الفرنسية للعمل كمعلمين بعد دورة تكوينية مختصرة (التكوين السريع) ".
تعتبر المسألة التربوية رهانا حضاريا ومدخلا من مداخل التحول والحراك الاجتماعي، مما يجعلها بحق رافعة للتنمية المستدامة وأحد أهم معاييرها. وللوقوف على أهميتها لابد من تنويع المقاربات ومنها المقاربة التاريخية، ليس ذلك من باب حب الاستطلاع أو الترف الأكاديمي ولكن العارف بأهمية التاريخ ودوره المحوري يستشعر ما للمدخل التاريخي من أهمية لفهم مختلف أبعاد أي مجال، مما يجعل من المقاربة التاريخية وسيلة فعالة لإغناء النقاش العمومي حول تاريخ نجاحات النظام التربوي وإخفاقاته، وأسبابها وطرق تجاوزها.
إن الاهتمام الذي توليه المقاربة التربوية الحديثة لبيداغوجيا الفروق الفردية كأحد الاختيارات الأساسية لتطوير الأداء التعليمي يدفعنا لإثارة التساؤل حول مدى حضور المعطى النظري المستمد من نتائج علم النفس الفارقي , و دلائل تمثله في الممارسة الصفية .
يُعد البحث التربوي أحد الادوات الهامة التي لا غنى عنها لمواجهة المطالب المتجددة لمنظومة التعليم , سواء من حيث تقديم معالجة علمية موضوعية للمشكلات و القضايا , أو من حيث صوغ الحلول و القرارات التي يقود تبنيها نحو تطوير الأداء التربوي عموما , و ضمان القوة و الفاعلية للمؤسسة التعليمية في ظل عالم ينحو بقوة نحو الإبداع ,و تصنيع المعرفة باعتبارها وقود النهضة الحديثة .
ان النظام التعليمي الكلاسيكي كان حقا يسلك طرائق شاقة لتوصيل المعرفة الى المتعلمين. و ذلك عبر الوسائل البيداغوجية المناسبة و الملائمة ، لإنجاز هذه المهمة التربوية ، وفق التقييمات التربوية الحداثية المنتقدة للأساتذة ، و طرائق التدريس ، و المادة المدرسة.انه حكم خلق صراعا بين جيلين متضادين على مستويات عدة، بفصل شروط و عوامل تاريخية منتجة لهما.
تكاد لا تخلو منظومة تربوية من أثر لآراء جون ديوي و تعاليمه , فهذا الأمريكي القادم من فرمونت أعاد للفلسفة نضارتها , وأرجعها إلى أصلها الطيب باعتبارها محبة للحكمة . و ذلك حين اشترط أن يدور فعل التفلسف حول التربية من جهة كونها تاج الاهتمامات الانسانية ! وميز من خلال هذا الموقف بين نوعين من الفلسفة : نوع متصل بالحياة , يستمد منها شرعيته ووظيفته , وهو التربية , و نوع منعزل عن الحياة و تمثله الفلسفة اللفظية (1).
حرص الغرب منذ تخليه عن مستعمراته أن تظل هذه الأخيرة حقلا لتجاربه, و فضاء لتطبيقاته في شتى المجالات وخصوصا ..التربية .