لا أظن أن في تاريخ الفكر البشري فكرا عانى، ومازال يعاني من ظلم المؤرخين كالفكر الفلسفي في الإسلام[4].
مقدمة:
إذا كانت الفلسفة بصفة عامة من المواضيع التي يصعب التأريخ لها؛ فإن الكثير من الباحثين يعتقد أن الفلسفة العربية هي من أكثر الفلسفات التي  تعكس تلك الصعوبة،  التي يواجهها المؤرخون للفلسفة بصفة عامة لاسيما المختصون في الدراسات العربية والإسلامية. وبطبيعة الحال لا أتفق مع هذه الدعوى التي تقول بأن الفلسفة العربية تستعصي على التأريخ، وسأبين فيما بعد بالحجج الدامغة أسباب شيوع الفكرة القائلة بصعوبة التأريخ للفلسفة العربية في أوساط الباحثين في حقلي الدراسات العربية والدراسات الإسلامية. ولعل من أسباب شيوع هذه الدعوى أن مؤرخي الفلسفة بصفة عامة؛ سواء مؤرخي الفلسفة اليونانية أو فلسفة القرون الوسطى،  وذوي التكوين العميق في اللغة اليونانية واللاتينية لا يجدون في تكوينهم العلمي والأكاديمي ما يساعدهم على تذليل الصعوبات التي تواجههم عند التعامل مع الفلسفة العربية. وتعتبر اللغة العربية هي العقبة الكأداء التي تواجههم، بالإضافة إلى التباين الذي يحسه هؤلاء الباحثون بين ثقافتهم والثقافة العربية الإسلامية. وعندما يجتهد الباحث المجد منهم في الاشتغال على الفلسفة العربية عن طريق مطالعة الدراسات  التي...

مقدمة المترجم:
هذه المسامرة هي من أواخر المقابلات الحوارية مع الروائية الأمريكية المبدعة توني موريسون، و وردت في موقع مجلة غرانتا بتاريخ 29 يونيو 2017. بدت الروائية في هذه المسامرة رائقة البال و تنداح في البوح لتكشف عن العوالم التي تستقي منها أعمالها الروائية. لقد بدت مرحة و جريئة في كثير من جوانب هذه المسامرة، كما و لمست بآرائها عدة قضايا قديمة و آنية ربطةً بينها من أجل تقديم فهم أفضل للسياقات الأمريكية الصعبة. لقد كانت ترجمة هذه المسامرة من أصعب الترجمات و التعريبات التي قمت بها؛ حيث اقتضت مني الغوص في تفاصيل قضايا و لغة و استعارات الثقافة الأفريقية الأمريكية. و كان إعجابي بالأعمال الباهرة لتوني موريسون هو الذي عوضني عن المشاق التي تكبدتها لتخرج هذه المسامرة بين أيدي قراء العربية.

تقديم المترجم:
يعالج المستشرق الألماني المعروف يوحنا كريستوف بيرجل في بحثه هذا أشكال حضور الخمر في الشعر بالحضارة العربية الإسلامية(*) . لقد ركز بيرجل بالخصوص على أشعار حافظ الشيرازي، وجلال الدين الرومي، وعمر الخيام، الخاصة بالخمر، وهي أشعار لا يعرف المثقف العربي منها، إلا رباعيات الخيام. أما أشعار حافظ والرومي، فلم يكتب لها الانتشار بعد في عالمنا العربي، برغم وجود ترجمة عربية محترمة لديوان حافظ، وبرغم وجود عدد من الباحثين المصريين والعرب والقائمين على ترجمة الأدب الفارسي إلى اللغة العربية. ولعله من المفيد قبل متابعة الباحث في رحلته مع الشعراء وتغنيهم بالخمر إبداء الملاحظات التالية التي نعرض فيها لأشكال أخرى من حضور الخمر في الفكر العربي الديني منه والأدبي:
أولا: مما أوردته كتب الأدب العربي القديم عن آفات الخمر، "أنها تذهب العقل، وأفضل ما في الإنسان عقله، وتحسن القبيح، وتقبح الحسن". وحكى صاحب "العقد الفريد" أن مشارب الرجل يقال له نديم من الندامة، "لأن معاقر الكأس إذا سكر، تكلم بما يندم عليه"(1). وقال قصي بن كلاب لبنيه: "اجتنبوا الخمر، فإنها تصلح الأبدان، وتفسد الأذهان"(2). ولما قيل لعثمان بن عفان: "ما منعك من شرب الخمر في...

هل ما زال العدد ثلاثة يمارس سلطته السحرية على العقول المعاصرة؟ من الواجب أن نلاحظ أن التصنيفات العامة القاسية التي تقسم التاريخ إلى ثلاثة مراحل (وتكون الأخيرة أفضلها بطبيعة الحال) ما زالت تلقى حظوة لدى الأشخاص المتسرعين المتلهفين إلى إدخالهم في العهد الفردوسي الجديد. وهذه المراحل حسب هذه الترسيمة الجاهزة هي: مجتمع شفوي (قديم لأنه بدون تقنية، إذن بدون تطور ولا تاريخ ولا مساواة)، متبوع بمجتمع الكتاب وهو في ذروة التطور العلمي والمساواة والحرية بفضل الطباعة، ثم مجتمع التواصل الإلكتروني.
من البديهي بالنسبة لمن له ولو إلمام قليل بتاريخ الأفكار أو الحضارات أو علم الاجتماع أو الانثربولوجيا، أن مثل هذا التصور مضلل في محتواه، وفي الطريقة التي تسنده والمرتكزة على مسح الألواح العريضة، وتسجيل الابتكارات العلمية والتقنية وتطور العادات الاجتماعية والسياسية بدون نظام مع تأسيس علاقة السبب بالنتيجة فيما بينها. إن دور ووظيفة الكتاب والقراءة ومن ثم الكتابة لا يمكن مقاربتهما بمثل هذه الطريقة العامة المتسرعة، لأن أنواعا عديدة لتوصيل المعرفة تتعايش في كل تلك المراحل، بما فيها مرحلتنا. لذا يلزم ملاحظة الصلات التي تتأسس بين التقنيات...

تقديم :
يتمثل المشروع الفكري لإدغار موران في إقامة جسور التواصل بين حقول المعرفة المختلفة، والحد من التخصص المفرط لأنه يؤدي إلى النظرة التجزيئية وإلى إفقار المعرفة. وفي هذا المقال يدعو الفيلسوف الفرنسي إلى إقامة جسور بين مفاهيم تنتمي إلى نفس الحقل، حقل السوسيولوجيا. ويتعلق الأمر بمفاهيم الثقافة الإنسانية، الثقافة العالمة والثقافة الجماهيرية.
وانطلاقا من دعوته إلى فكر مركب ، يسعى موران إلى مقاربة الثقافة في تعقيدها وتشابك عناصرها، ويسعى إلى تفكيك هذا التعقيد . يبدأ موران بنقد  الالتباس السائد بخصوص مفهوم الثقافة حيث درج علماء الاجتماع على  استعمال  هذا المصطلح دون تمييز بين الأنواع الثقافية الثلاثة. ولهذا يصوغ تعريفات دقيقة ومتمايزة لكل ثقافة على حدة. لكن هذا التمايز لا يعني الانفصال والتباعد بين هذه الثقافات. فمن المشروع أن يبحث السوسيولوجي عن صياغة مفهوم مركب يستوعب هذه المفاهيم الثلاثة ويوحد بينها رغم اختلافها. يعترف موران بوجود محاولات لصياغة مفهوم شمولي للثقافة . هناك محاولة ركزت أهتمامها على المظهر العملي الوجودي للثقافة ، ومحاولة ركزت على البعد النظري ، أي على البنيات المنظمة للمظهر السلوكي للثقافة . إن كل محاولة من هاتين المحاولتين تضع اليد على بعد...

anfasse29059س: هل تتطلب ممارسة الترجمة نظرية في ترجمة النصوص؟
لا، لا أعتقد ذلك. إن الترجمة تتطلب حرفية، ومعرفة جيدة باللغتين (لغة المصدر ولغة الهدف). هذا كل ما يمكن أن أجيب به في الواقع. كان يمكن أن أقول، بطبيعة الحال، إنني أعرف نظرية والتر بنيامين في الترجمة، أو نظرية أخرى لشخص آخر، ولكن معرفتها وعدم معرفتها ليست في غاية الضرورة، فالترجمة هي بالأساس مسألة ممارسة: أعني أن نطرح الأسئلة المناسبة في الوقت المناسب بصدد النص المترجم. ليس للنظرية مكانة محددة سلفا إذن، فكل شيء رهين، في العمق، بالنص الأصل وبما إذا كان يتطلب التركيز في المقام الأول على الدال، أو على الرسالة باعتبارها ما يتعين أساسا نقله. لقد ترجمت كرواك مثلا في وقت سابق اعتمادا على السمع فقط، ولم أهتم بالمعنى إلا بشكل ثانوي. كما أن الترجمة التي قام بها جويس لرواية كرواك "مكسيكو سيتي بلوز" –وهو نص يستند على ارتجالات الجاز- تقود المترجم إلى الاهتداء إلى صوت وخطاب منطوق. غير أن صوت الترجمة هذا يبقى أداة تتغير من نص لآخر.

س:يتألف النص من كلمات لكنه يحمل ثقافة أيضا. ألا يجب أن تتعايش الترجمة اللسانية مع ما يمكن أن يسمى بالترجمة الثقافية؟
إذا لزم التعلق بترجمة ثقافية دقيقة، فإن ذلك معناه الاصطدام فعلا بما لا يقبل الترجمة. فالمعنى الكامن خلف الكلمات الأمريكية ليس هو المعنى...

anfasse08055jpgإن ما نسميه بالزمن في مورفولوجيا لغة ما، لا يدخل في علاقة بسيطة ومباشرة مع ما نسميه بالزمن على المستوى الوجودي (حتى دون أن نفكر في المعاني الفلسفية للمصطلح)؛ يوجد دليل من بين أدلة أخرى، في لغات كثيرة، لمصطلحين مختلفين فيما يخص اللسني والمعيش، ففي الإنجليزية نجد: tense وtime، وفي الألمانية هناك: Tempus وZeit. فمن جهة يمكن للاختلافات الزمنية أن تحدد بوسائل أخرى غير زمن الفعل (الظروف، مفاعيل الزمن، التواريخ)؛ وحتى في بعض اللغات كالعبرية القديمة، نجد عنصرا هاما لمفهوم الزمن، حيث الاختلاف الكرونولوجي للماضي، والحاضر، والمستقبل غير محدد بشكل مباشر داخل الفعل. ومن جهة أخرى فزمن الفعل لا يصلح فقط لتعيين الزمنية، ولكن يعني أيضا علاقة خاصة بين الذي يتكلم، والمتكلم عنه. سنهتم، مع ذلك، بظاهرة تتموقع بين هذا وذاك "الزمن": أي تمثيلات الزمن في علاقتها بلحظة التلفظ، وهو ما سنسميه، بالمعنى الواسع، زمن الخطاب.
ينتظم هذا الزمن حول الحاضر، فهو مفهوم لسني محض، يعين اللحظة التي يتكلم فيها. وتنقسم الأزمنة الأخرى (في اللغات الهند أوروبية، على الأقل) إلى مجموعتين كبيرتين، حسب العلاقة التي تربطها مع الحاضر، وبشكل عام، مع التلفظ. فالأزمنة الفرنسية مثلا، تتوزع ضمن السلسلات التالية:...

anfasse23041   في تلك اللعبة كان يجب أن يمر كل شيء بسرعة. عندما قرر رقم واحد أنه يجب تنحية روميرو و أن رقم ثلاثة هو من سيتكفل بالمهمة، كان بِلْتْرَانْ قد توصل بالمعلومة دقائق قليلة بعد ذلك. بهدوء و لكن دون تضييع لحظة واحدة، خرج من مقهى كُوريينتس و لِبيرطاد و صعد إلى سيارة أجرة. بينما كان يستحم في شقته، مستمعا إلى الأخبار، تذكر أنه كان قد رأى روميرو آخر مرة  في سان إسيدرو. في تلك الأثناء، كان روميرو يُدعى روميرو بينما هو كان يُدعى بلتران؛ صديقان حميمان قبل أن تفرق بينهما الحياة. ابتسم على مضض تقريبا، مفكرا في ردة الفعل التي يمكن أن يقوم بها روميرو عندما سيراه من جديد، لكن وجه روميرو لم يكن ذا أهمية و في المقابل كان يجب التفكير على مهل في قضية المقهى و السيارة. كان مثيرا للفضول أن تخطر ببال رقم واحد فكرة تدبير قتل روميرو في مقهى كُوتشابامبا و بييدراس، بينما في ذلك الحين، ربما كان هذا الرقم واحد قد تقدم في السن إن أمكن أن نصدق بعض المعلومات. في كل الأحوال، كانت حماقة الأمر تمنحه امتيازا: كان بإمكانه أن يخرج السيارة من المرأب و يركنها و المحرك مشتغلا بجانب كوتشابامبا ثم يبقى منتظرا حتى يصل روميرو كما العادة لملاقاة أصدقائه على الساعة السابعة عشية تقريبا....

anfasse16045تقديم
خلال الخمسينات والستينات ، كتب الجيل الأول من مفكري ما بعد الاستعمار le postcolonialisme ( فرانز فانون، إيمي سيزير...) أعمالهم في ظل الاستعمار الأوروبي المباشر والحركة الوطنية من أجل الاستقلال السياسي والاقتصادي. لذلك اتسمت العلاقة لديهم بين الستعمر والمستعمر بالصدامية والعنف المتبادل...
وخلال السبعينات والثمانينات ظهر الجيل الثاني (إدوارد سعيد، هومي بابا، أنور عبد المالك...) الذي فتح أفقا جديدا للصراع بين الطرفين ، وبحث عن إمكانيات أخرى لمواجهة الغرب وهيمنته على  صعيد التمثلات والأفكار.
ويعد إدوارد سعيد (1935-2003) من أشهر أعلام هذا الجيل من مفكري ما بعد الاستعمار.  وهو مثقف فلسطيني حامل للجنسية الأمريكية. اشتغل أستاذا للأدب الإنجليزي والأدب المقارن بجامعة كولومبيا. وله عدة مؤلفات منها : الاستشراق (1978)، القضية الفلسطينية (1979)، تغطية الإسلام (1981)، الثقافة والإمبريالية (1993)...
هذا الحوار الذي نقدم ترجمته للقارئ العربي أجري في الأصل باللغة الأنجليزية سنة 1985. وقد نقلته إلى الفرنسية  الفيلسوفة الجزائرية الأصل الحاملة للجنسية الفرنسية، و المهتمة بموضوع الاستشراق وفكر ما بعد الاستعمار سلوى لوست بولبينة Seloua Luste Boulbina  . وقد نقلنا هذا الحوار عن هذه الترجمة الفرنسية.
في هذا الحوار، نجد حضورا للقضايا التي شغلت...

anfasse08045تغيرت دلالة القانون بشكل عميق مع المنعطف الديمقراطي الذي عرفته الفلسفة السياسية بفضل روسو. فمن اعتباره أداة لتنظيم العلاقات بين الأشخاص والسلط، أصبح القانون الوسيلة التي بواسطتها يعبر المجتمع عن إدراكه لذاته، وإرادته المستقلة، ومن هنا، لم يعد المواطن متصورا كمواطن يخضع لسلطة شرعية حيث بإمكانه الإفادة من قوانين بالمعنى الليبرالي للكلمة. ذلك أنه يتحدد، استقبالا كشخص واع يشارك في سيرورة متواصلة بواسطتها يفكر المجتمع في ذاته، ويتخذ قراره، والحال أن الأنظمة الغربية –رغم ادعاءاتها- حققت، وبشكل ناقص جدا، الإمكانيات الديمقراطية الخاصة بالقانون الحديث كما سبق أن اكتشفها روسو. يبدو أن الشكل التمثيلي للسلطة السياسية، المنحدرة من تجارب ثورية، قد اقتصر فقط على عملية ترويض القوى الديمقراطية كما سبق أن أكد على ذلك النقد الاشتراكي لـ"الدولة" البورجوازية في القرن التاسع عشر.
تعزز هذا الاتجاه مع مجيء الدولة الراعية (Etat Providence)، ذلك أن وضع آليات للحماية (= الرعاية) الاجتماعية كان جد مكلف من أجل وصاية متزايدة، وتشجيع لإعادة توجيه الأفراد نحو الحياة الخاصة، والاستهلاك الذي أدى إلى عدم الاهتمام بالدائرة العمومية. لقد أصبحت السياسة منكرة على المجتمع المدني أكثر من أي وقت مضى. ومع ذلك، هناك إشارات إلى أن هذه الوضعية بدأت تتغير....

anfasse08043هل يستطيع المرء امتلاك لغتين؟ هل بإمكانه أن يبرع فيهما معا؟ ربما لن نهتدي إلى جوانب إلا إذا أفلحنا في الإجابة عن سؤال آخر: هل يمتلك المرء لغة من اللغات؟ أتذكر أنني سمعت كلاما لم أعثر بعد على مرجعه، يصف فيه أحد القدماء علاقته بالعربية، فيقول: "هزمتها فهزمتني، ثم هزمتها فهزمتني"، مشيرا إلى أن علاقته بها متوترة، وأن الحرب سجال بينهما، مرة له ومرة عليه؛ ولكن الكلمة الأخيرة لها، لهذه الكائنة الشرسة التي تأبى الخضوع والانقياد. ينتهي القتال دائما بانتصارها، ولا يجد المرء بدا من مهادنتها ومسالمتها والاستسلام لها، وإن على مضض.
إذا كان هذا حال المتكلم مع لغة واحدة، مع لغته، فكيف حاله مع لغتين أو أكثر؟ كيف ينتقل من هذه إلى تلك، كيف يتصرف بينهما، وكيف يتدبر أمره مع الترجمة المستمرة التي يمارسها؟ سأحاول الخوض في جانب من هذه الأسئلة استنادا إلى الجاحظ، إلى كاتب لا نعرف بالتأكيد إن كان يتقن لغة غير العربية، مع العلم أن في مصنفاته علامات تشير إلى أنه لم يكن يجهل الفارسية.
ولنبدأ بما قال في البيان والتبيين عن أبي علي الأسواري، الذي قص في أحد المساجد "ستا وثلاثين سنة، فابتدأ لهم في تفسير سورة البقرة، فما ختم القرآن حتى مات، لأنه كان حافظا للسير، ولوجوه التأويلات، فكان ربما فسر آية واحدة في عدة أسابيع". إن تفسير القرآن عملية طويلة لا يحدها...

مفضلات الشهر من الترجمة

مفضلات الشهر من السياسة