أود أن أقدم لكم بعض الملاحظات على الفلسفة الفرنسية بدءا من مفارقة: ما هو الأكثر عالمية هو أيضا، في الوقت نفسه، الأكثر خصوصية. هذا ما يدعوه هيجل بالكوني الملموس، توليفة ما هو عالمي تماما، وهو للجميع، وفي الوقت نفسه، لديها مكان ولحظة معينين. الفلسفة هي مثال جيد. كما تعلمون، الفلسفة كونية تماما، وهي موجهة للجميع، من دون استثناء، ولكن هناك في الفلسفة خصوصيات وطنية وثقافية قوية جدا. هناك ما أسميه لحظات الفلسفة، في الفضاء والوقت المناسبين. ولذلك تمثل الفلسفة طموحا كونيا للعقل، وفي الوقت نفسه تتجلى في لحظات فريدة تماما. دعونا نأخذ مثالين، لحظتين فلسفيتين مكثفتين ومعروفتين بشكل خاص. أولا، لحظة الفلسفة اليونانية الكلاسيكية، بين بارمينيدس وأرسطو، بين القرن الخامس والثالث قبل الميلاد، لحظة فلسفية خلاقة، مؤسسة، استثنائية وأخيرا قصيرة زمنيا. ثم لدينا مثال آخر، لحظة المثالية الألمانية بين كانط وهيغل، فيخته وشيلينج، وتلك أيضا لحظة فلسفية استثنائية، من أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، لحظة مكثفة، خلاقة ،لكنها، مرة أخرى، لحظة قصيرة من حيث مدتها الزمنية.

(1)
تصلح رواية روول أغيار كنقطة انطلاق لإعادة رسم تاريخ الكاتب الأرجنتيني الذي جسد (رفقة غابريل ماركيز وماريو بارغاس يوسا وكارلوس فوينتس) تجديد الرواية الأمريكية اللاتينية وكذا الروح الثورية لسنوات 1960 و1970 . فباعتباره كورتاثريا حتى النخاع، يحكي أغيار تفاصيل اللقاء الرائع الذي جمع في مدينة هافانا واحدة من الفتيات وكورتاثر. هي تعيش في 2003 أما هو ففي يناير 1967 . تكمن الرهافة في الحنين الذي يقطره السرد ببطء في ذهن القارئ. هذا الأخير يعلم مسبقا الأجوبة المرهقة التي تقف في انتظار كورتاثر عندما يوجه للفتاة الشابة أسئلة حول المستقبل : لدي ألف سؤال. هل صعد الإنسان إلى كوكب المريخ؟ ماذا عن حرب الفيتنام؟ ماذا جرى في كوبا طيلة هذه المدة الزمنية؟ هل مازال فيديل على قيد الحياة؟والاشتراكية، هل تكللت بالنجاح؟هل لديك معلومات عن الأرجنتين؟ كاتلوغ على قده من الإحباطات.

ينبغي أن نعلم أن خوليو كورتاثر، الحقيقي، قضى فترة زمنية محددة في الإحساس بهذا الاهتمام الحماسي بالعالم. لقد اعترف قائلا: "كان لدي القليل من فضول استطلاع أحوال الجنس البشري قبل كتابة (الرجل المتربص)"، يقصد إحدى أجود رواياته. كان عمره آنذاك 45 سنة.

باعتباره ابنا لرجل...

(حوار بين "آلان باديو"Alain Badiou  و "لوران جوفران" Lorain Joffrin)
جريدة ليبيراسيونLibération ، الخميس 9 نوفمبر 2017.
تقديم:
    أعلن "آلان باديو" مؤخرا عن إيقاف دروسه وعن أنه يُزمع نشر كتاب الحقائق المحايثة  l’Immanence des vérités مُنجزا بذلك ثلاثيةً تتكوّن أيضا من الوجود والحدث (1988)  l’Etre et l’Evénement وأنظمة العوالم (2006) Logiques des mondes. لم يتوقف هذا الرجل الثمانيني الأنيق عن نشر الكتب. فبالإضافة إلى أعرف أنكم كثيرون جدّا... Je vous sais si nombreux… (Fayard) نشر "باديو" التقليد الألماني في الفلسفة la Tradition allemande dans la philosophie (Lignes) ، ثمّ تقريظ السياسة Eloge de la politique (Flammarion) و تقريظ الحب (2009) Eloge de l’amour وتقريظ المسرح (2013)  Eloge du théâtre، ثمّ تقريظ الرياضياتEloge des mathématiques في 2015.
المعروف عن "باديو" أنه لم يشارك منذ 1968 في أيّة عمليّة انتخابية. يأتي ذلك في إطار موقف ازدرائي واضح من الديمقراطية البرجوازية وفي وفاء تامّ للمَثَل الأعلى الذي رسمته المجموعة الماوية التي انتمى إليها منذ تلك الفترة، أي اتحاد شيوعيّي فرنساl’Union des Communistes de France  الماركسي اللينيني.

ورغم أن جريدة ليبيراسيون...

ماذا لو كانت النزاعات في منطقة الشرق الأوسط غير ذات طبعة دينية؟ بالنسبة للمؤرخ والمحلل الاقتصادي اللبناني جورج قرم، لا تصلح هذه المقاربة الاختزالية للسياسة الدولية سوى لإضفاء الشرعية على أطروحة “صدام الحضارات”. في كتابه “من أجل قراءة دنيوية للنزاعات”، يميط هذا الأستاذ الجامعي اللثام عن العديد من الآليات التي حاولت شرعنة الحروب غير العادلة التي اندلعت منذ نهاية الحرب الباردة. تلك، بإجمال، سياسة تمر عبر توظيف الديني. لمعرفة مزيد من التفاصيل حول هذه المهمة التي انتدب جورج قرم نفسه لها، تعالوا معي لنتابع هذا الحوار الذي خص به صاحبنا جريدة إلكترونية فرنسية (Le Monde des Religions) والذي أقدم فيما يلي ترجمته إلى اللغة العربية.

– من خلال قراءتك الدنيوية للنزاعات، هل تعتزم معارضة نظرية “صدام الحضارات”،
+ تلك عودة إلى علم السياسة الكلاسيكي، مقاربة لأوضاع الحروب اعتماد على تحليل يأخذ بعين الاعتبار تعدد العوامل، وليس بناء على سببية واحدة قد تكون دينية، عرقية او أخلاقية على نحو مزعوم. أطروحة صدام الحضارات هي، في نظري، استيفاء مابعد حداثي لتقسيم العالم بين الساميين والآريين، الذي ترتبت عنه النزعة المرعبة المعادية للسامية والمؤدية إلى إبادة...

عرف الطب النفسي السلالي أو العرقي (Ethnopsychiatrie) منذ نشأته - قبل أكثر من ربع قرن - كيف ينصت لكلمات هؤلاء السكان المهاجرين غير المسجلين، هؤلاء الأشخاص الهامشيين بلا ممثلين. منذ ذلك الحين وهو يعرف كيف لا يبخس تجاربهم، وكيف يعترف بما تكتنفه من قوة وفكر وحقيقة.
من أجل الاطلاع على هذا التخصص الجديد من علم النفس أدعو القراء الكرام الى متابعة هذا الملف الذي أنجزه سويا كل من توبي ناثان Tobie Nathan وزميلته اميل هرمان Emilie Hermant. الملف منشور في الانترنت بهذا الرابط: http://www.ethnopsychiatrie.net/Ceci.htm
عملية تكييف: لماذا يكون الخط 13 من مترو باريس غير مريح تماما؟ هل فقط لأن المهاجرين الذين يستعملونه يكونون متعبين جدا بحيث أنهم ينامون على الرغم من الضجيج، من التوقفات في الوقت غير المناسب، من الحركات الجانبية التي لا تطاق للسيارات؟ الجو حار في الصيف، بارد جدا في الشتاء - الخط 13 يزيد من درجة الحرارة! تقريبا، عند كل محطة يصعد متسول، متسولة لا يفتآن يجعلان منك متهما - يصرخان، يبكيان أو يغنيان؛ بالفرنسية، بالغجرية، بالعربية. كل واحد (من الركاب) يقحم أنفه في الجريدة، ينظر الى قدميه، ينظر الى مكان آخر..الخط 13 يمنحك نظرة...

يتساءل لوبايور جنسن في بحث صدر له قبل سنوات: "هل تجربة الاعتقال دقيقة عن الوصف؟" قد تبدو خلاصته هاته مفارقة حتى ولو كانت تستند إلى تحليل كبريات الروايات التي أثارتها المعتقلات النازية والستالينية؛ ذلك لكون تجربة المعتقلات بحصر المعنى غير قابلة لأن تحكى، ومع ذلك أظهرت إلى الوجود بضعة أعمال رائعة تنضاف إلى روائع الأدب العالمي المعاصر: "الجنس البشري" لروبير أنتيلم، "لو كان إنسانا" لبريمو ليفي، "عالم المعتقلات" لدفيد روسي أو "عالم من صخر" لتادوش بروفسكي.
القاسم المشترك بين هذه الروايات هو أن أصحابها أبدعوا كتابات جديدة..نفس الشيء ينطبق على "حكايات الكوليما" (Récits de la Kolyma) لفارلام شلاموف، وهي الآن متوفرة بطبعتها الكاملة وبنوع من التأليف الذي أراده كاتبها. كان روبير أنتيلم هو أول من سجل، منذ عودته من بوشنوالد في 1945، الهوة السحيقة التي كانت موجودة بين رغبة الناجين في الكلام وفي الاستماع إليهم وبين "المسافة التي نكتشفها بين اللغة التي نمتلكها وهذه التجربة التي ما زلنا، في الغالب، بصدد مواصلتها بداخل أجسادنا، فما نكاد نشرع في الحكي حتى نصاب بالاختناق..حتى بالنسبة إلينا، فقد بدا لنا ما كنا مقبلين على قوله شيئا غير قابل...

هذا هو العنوان الذي وضعه جان – لوران كاسلي لمقاله الطويل نسبيا حول عالم الاجتماع الفرنسي ميشال مافيزولي والذي نشر بالمجلة الالكترونية " Slate.fr" بتاريخ 09- 05- 2014 . قبل الشروع في عرض مضامين هذه المقالة ، أرى أنه من المناسب تقديم بعض التوضيحات بشأن عنوان المقال وأبرز المثقفين الداعمين للمجلة. بالنسبة للعنوان، يلاحظ أني وضعت اسم عناق بن عواج مقابل كلمة لاتينية تعني عملاقا في الميثولوجيا السكنديفانية . أما فيما يتعلق بالمؤسسين للمجلة الناشرة للمقال ، فمن أبرزهم جاك أتالي مؤلف كتاب " كارل ماركس أو روح العالم " الصادر بباريس عن دار النشر فايارد سنة 2007 الى جانب اريك لو بوشي أحد الصحافيين الفرنسيين المرموقين.
بالنسبة لعالم الاجتماع الفرنسي ، مافيزولي ، المتخصص في سوسيولوجيا " القبائل " ، لا تدرك النخب جيدا حركية المجتمع ولا التطلعات الجماعاتية لأعضائه . فثرثرة الصحافيين والسياسيين والموظفين السامين و"الخبراء" لا تسترعي اهتمام عدد كبير من الناس . لكن ماذا عن ثرثرته هو ؟
" لم يعد المجتمع هو الذي سوف يسود ؛ بل القبائل . ليس المقصود هنا المجموعات الكبرى ، بل بروز مجموعات صغرى تجمع بينها تفاهمات عميقة ؛ موسيقية ، جنسية ، دينية ،...

تقديم :
يرصد موران في هذا العرض مجموعة من الظواهر الهامة التي تحدد مصير المجتمعات البشرية في العصر الحديث: فالواقع معقد، سريع التطور... وهو ما يستدعي التدخل الفاعل من قبل صانعي الأفكار كي يبادروا إلى فهمه، ويبحثوا عن حلول له. ولا يتحقق ذلك إلا ببناء معرفة جديدة تتفاعل فيها اختصاصات معرفية مختلفة من أجل تأسيس وعي شمولي يتجاوب مع واقع مركب. وبروح المصلح يحاول الفيلسوف أن يرصد مشكلات هذا الواقع، ويرسم أفقا للتفكير في الحلول الضرورية لتفادي المخاطر التي يحملها، والتي تهدد مستقبل البشرية. ( المترجم)
نص إدغار موران
سأنطلق من ملاحظة للفيلسوف الإسباني خوسي أورتيغا إي غاسيت José Ortega y Gasset يقول فيها: "إننا لا نعرف ما يحدث مع أن ذلك هو ما يحدث بالضبط". ما سبب هذا الجهل؟ السبب هو أن الوعي يأتي دائما متأخرا إزاء الحدث من أجل فهم ما يحدث. والسبب الثاني هو أننا نعيش في عصر يتطور بسرعة فائقة، وهو ما يجعل الوعي يتأخر أكثر. أضف إلى ذلك أن الأحداث قد بلغت درجة هائلة من التعقيد: لقد أصبح كل شيء متداخلا، الظواهر الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية والدينية. وهذا التعقيد هو ما سيتعصي على الفهم. وهكذا نجد أنفسنا في وضعية إعاقة معرفية، خاصة وأن هذه المعرفة التي نتوفر عليها ونستعملها...

بعد ألفیة من الظلام (من القرن الثالث إلى القرن الثالث عشر)، أیقظت النھضة الآداب والفنون بفضل العودة إلى الأصول الإغریقیة اللاتینیة للحضارة الغربیة. فمنذ بترارك حتى إراسم، ربط المحركون الرئیسیون لھذا التطور بین أوربا العالمة (المثقفة) والعبقریة الیونانیة القدیمة. لاحقا، سوف ینشد آخرون التحرر من قبضة ھذه الأخیرة. تحول ھذا النقاش في القرن السابع عشر إلى حرب مفتوحة. فالتطورات الحاصلة للغة الفرنسیة والتي شجعھا تأسیس الأكادیمیة الفرنسیة سنة 1634والتي رمز إلیھا قرار دیكارت القاضي بنشر “خطاب في المنھج” باللغة الفرنسیة سنة 1637 وسعت من دائرة الجمھور المتعلم بحیث أصبحت تضم “الناس الشرفاء” ومرتادي الصالونات الخاصة الذین التحقوا بأھل الأدب بعد أن قطعوا الاتصال باللغة اللاتینیة وبالثقافة التي تمثلھا. ھكذا تشكل حزب “حدیث” یستعمل نفوذ لویس الرابع عشر لمحاولة قطع الصلات التي تربط إنتاجات الفكر بالتقلید الیوناني القدیم. في ھذا السیاق، أثارت قصیدة شارل بیرو (مؤلف “الحكایات”) المعنونة ب”قرن لویس الرابع عشر” والمنشورة عام 1687 حفیظة بوالو وارتفعت بالنقاشات إلى مستوى أكثر سخونة. لھذا كلھ، تبعث النصوص المجموعة الیوم في كتاب “خصومة...

يطبع الثقافة العربية والثقافة الإيطالية تمازج تاريخي قلّ نظيره، في علاقة الشرق بالغرب، يسبق فترة التواجد العربي الإسلامي في صقلية ويمتد إلى عصور قرطاجة وفينيقيا، ولكن في مقابل ذلك التواصل يطبع هاتين الثقافتين جفاء في التاريخ الحديث ليس له مبرر، يتجلى بوجه بارز في فتور مجال الترجمة بين اللغتين. فإلى حدود تاريخنا الحالي لم تتجاوز أعمال الترجمة من الإيطالية إلى العربية 340 عملا، توزّعت بين 250 عملا أدبيا، و 43 عملا مسرحيا، و 47 عملا غطّت مجالات متنوّعة في العلوم الإنسانية والاجتماعية والفنية.
العربية والإيطالية.. جفاء مريب
في الحقيقة نادرا ما يقرأ المرء ما يثلج الصدر حين يتابع واقع الترجمة في البلاد العربية، فالإحصائيات مقارنة بلغات وبلدان أخرى مدعاة للشعور بالأسى؛ لكن في ظل هذا الجو القاتم لا يمكن للمرء أن يغفل عما أنجزه "مشروع كلمة" الإماراتي. فقد أدرك هذا المشروع الفتيّ منذ انطلاقته هذا النقص الفادح في التواصل الثقافي بين اللغتين. ولعل الأرقام المسجّلة بين العربية والإيطالية مدعاة لطرح العديد من التساؤلات. لماذا هذا التدابر والتجافي بين اللسانين في الراهن الحالي رغم الصلات التاريخية بين الواقعين وبين الحضارتين في سابق...

يدافع ليوطار في هذا النص الحاسم –الجذري بشكل هادئ- على موقع جديد ضمن تصورات إعادة كتابة الحداثة الإبيستمولوجية بما هي مجاوزة للميتافيزيقا. يناقش ليوطار طرحين أساسيين في تصور إعادة الكتابة هذه: طرح المجاوزة كما هو مع هايدغر وفرويد وماركس ونتشه، وطرح مجاوزة المجاوزة كما هو عند بودريار. يعتبر ليوطار أن مجاوزة الميتافيزيقا تحققت داخل أرض الميتافزيقا، وأن مجاوزة المجاوزة لا زالت محكومة بالأنطولوجيا السرية للميتافيزيقا. يستثمر ليوطار في بنائه لأنطولوجيا للتفادي (تفادي الميتافيزيقا والمجاوزة ومجاوزة المجاوزة) مفهوم فرويد حول لا نهائية التأويل، وهو التأويل الذي يذيب ذاته في صلب ما يبغي تأويله أو إعادة كتابته. وتنجم الأنطولوجيا المحركة لهذا التصور من وضع ليوطار للجميل (أي للذي، خلافا للإبستمولوجي والسياسي، يفرض لا نهائية تأويلية) في جذر الفكر والمعنى والتأويل.
 

مفضلات الشهر من الترجمة

مفضلات الشهر من السياسة