احتراق الشعراء- المصطفى السهلي
لانقصد هنا الاحتراق بمفهومه الفيزيقي والمادي..ولكننا نقصد المفهوم المجازي للاحتراق..أي ما يكابده الشاعر من معاناة ووجع حين يكون بصدد إبداع شعره، وما يمر به من لحظات عسر وقلق ساعة الكتابة.. وقد اخترنا لفظة الاحتراق لأنها أنسب من غيرها في الدلالة على الحالة التي تنتاب الشاعر عندما يركبه شيطان الشعر ويسبح في ملكوت الإبداع.
نحن المتلقين يغيب عنا هذا الوجه من أوجه الإبداع ، لأنه يرتبط باللحظات الحميمة منه ، والتي لا نستطيع استكشافها من مجرد القراءة.. إنها الطقوس الخاصة التي تحيط بفعل الكتابة ولا تظهر فيها.. فنحن نتلقى القصيدة بعد خروجها من رحم الإبداع مكتملة ناضجة ، ونستمتع بها وبجمالياتها دون أن نفكر للحظة واحدة في مقدار العذاب الذي رافق ولادتها ، ولا في حجم المعاناة التي اكتوى الشاعر بلهيبها أثناء الإبداع.
إن الشاعر حين يقدم شعره إلى المتلقي ، يقدمه مجردا من تفاصيل هذه الحالة ومن ملابساتها.. والمتلقي بدوره يقرأ القصيدة دون أن يفكر في زمن الإبداع ، ولا في ألم الكتابة.. لا يهمه أن يعرف كم من الوقت استغـرق الشاعـر في إبداع قصيدته.. ولا يهمه ما عاناه من ألم واحتراق لكتابة تلك القصيدة.. إنه يقرأها بمعزل عن شروط ولادتها.. ولا ذنب له في ذلك.. لأن تلك الشروط مسكوت عنها وغير مصرح بها.. وفي ذلك بعض الحيف.. فكيف نضع...
تعتبر القصة بأشكالها المختلفة (قصة ، أقصوصة ، قصة قصيرة جدا....) حالة من التعبير عما يخالج نفس المبدع من آلام و آمال و أحزان،عاشها في الواقع وعكسها أدبا،بشكل متخيل أضفى عليها ما سماه جاكبسون بأدبية العمل الأدبي، بمعنى أنها لا تعكس الواقع بشكل آلي بل تنقله من واقعيته الحرفية إلى عالم الفكر لتتلون بألوانه و تتصف بصفاته.
صرح " ميرلوبونتي" ذات مرة بأن المعنى هو سر الوجود، إذ لا وجود بلا معنى و الاحتفاء بالمعنى كان دائما هو الشغل الشاغل لمن خبر تشكيل القصيدة ذات المعاني الإنسانية الخالدة . غير أن صياغة هذه المعاني و منحها بريقها الوهاج شعريا عملية تتطلب معرفة عميقة ناتجة عن ذلك القلق الخلاق و التساؤل الضروري لكشف المخابئ السرية ، و خلق الدهشة البكر التي بها امتلك الإنسان مفاتيح الأسرار الكامنة وراء تشكيل العالم.
الأدب العراقي المهاجر يولد في منافي متعددة برؤى جديدة وروح جديدة فيكتسب التميز والتحرر من قيود السلطة.
أصبح من الشائع اعتبار السيميائيات(Sémiotique)عند المهتمين بهذا الحقل المعرفي علما موضوعه دراسة العلامات، والعلامة، كما حددها بورس( CH.S.Peirce)، كل شيء يحل محل شيء آخر ويدل عليه، سواء كانت علامة لفظية أم علامة غير لفظية، طبيعية أم اصطناعية؛ هذا بالرغم من أن أمبرطو إيكو(U.Eco) ذهب إلى أن موضوع السيميائيات ليس العلامة، وإنما الوظيفة السيميائية، وهو في ذلك يستند إلى يلمسليف (Hjelmslev)في هذا التوجه.
"عصفورنا العربي النادر هو ذاك الأديب النحات الذي يجسم الجمال لكل المستويات"
تتخذ الكتابة القصصية غالبا عند لانا عبد الستار لغة الجسد عوضا عن الكلمات،الجسد الذي يعيش حالة من التوتر فيفصح عن خلجاته الذاتية،الجسد الذي يعيش في حالة قلق من ضغوطات المجتمع ألذكوري،فيحاول البحث عن التميز والفرادة من اجل أن يكسب حريته المسلوبة. إن وعي الكاتبة بذاتها بالبحث عن قيمة التفرد هو الذي جعل كلماتها سهلة مفعمة بالحياة،فـ(لانا) حينما توجهت للجسد اعتبرته كإعلان عن تحررها، وكرد فعل على ممارسات المجتمع الذي يسحق جسد المرأة ويحوله إلى مصدرا لإغراء الرجل وغوايته وسببا لخطيئته،وهذه العوامل جعلت من كتابة(لانا) علامة تدل على الاحتجاج والتمرد على القمع والقهر الاجتماعي المتجذر في مجتمعاتنا تاريخيا،هذا القهر انعكس في مرآة الكتابة فحاولت الكاتبة صياغة رؤية استشراقية لمستقبل المرأة ومحاولة لتفكيك قيود الإكراه التي تقيد المرأة في حاضرها ومستقبلها،كفرد إنساني يحق له ممارسة حياته الطبيعة،إذ جاء عنوان(ليلة بقرب الحبيب) دالا على إن الكتابة بلغة الجسد هي اللغة التي اعتمدتها الكاتبة،وهي لغة تحاول أن تعكس الصورة الجمالية للجسد عبر(الايروتيك) السردي إذ تقول (داعبت المياه الساخنة المتدفقة من كل صوب خلايا جسدي المرهق،مشيت على الرخام الأسود تاركة خلفي أثارا بخارية لقدمي،تشرنقت المنشفة البيضاء الحريرية...
على ضوء وصايا عبد الحميد الكاتب
حوار مع معد ومقدم برنامج (مشارف)، أهم برنامج ثقافي على التلفزيون المغربي
الجسد ذلك الكائن الوجودي الذي يحمل دلالات كثيرة تعكس الفضاء القيميّ الدال على المنظومة الثقافية المنتسب إليها، فالجسد كائن لا يفهم بغير سياقه التاريخي والثقافي والإيديولوجي، وبقدر ما يحاول الإنسان التعرف على فهم لغة الجسد فأنه سيعرف ما حوله من أسرار الكون،لأن الجسد اختزال للعالم،بل هو كما يصوره إبراهيم محمود هو الكائن في العالم،ولكنه المكون فيه والمتكون به،وهو الذي يكون باستمرار باعتباره حقيقة تدرك أكثر فأكثر كلما كان هناك تشعب أكثر في العالم، وقد حظي الجسد باهتمام الفلاسفة والمفكرين منذ القدم فقد اعتبره أفلاطون الحاجز الذي يمنع سموّ النفس إلى عالم المثل،فهو السجن الذي لا خلاص للنفس